درجت الادبيات العربية في تعاملها مع الظواهر الاجتماعية والسياسية على الانطلاق من فكرة التمييز بين الذات (أو الأنا) وبين الآخر.فالتسلط والاستبداد, مثلما التخلف والقصور, هي دائما من نصيب الطرف الآخر المقابل لنا, والذي هو منفصل ومختلف عنا, وبالتالي لا يشاطرنا فضائلنا او ايجابياتنا. ويمكن القول ان النظرة الكلية لمعالجة هذه الاشكالية, لم تنشأ الا متأخرة, وهي نضجت اساسا بفضل التطور الكبير الذي شهدته العلوم الاجتماعية ومناهجها الحديثة. غير ان هذه لا تزال حتى اليوم للاسف غير منتشرة او معترف بها وسط الكثرة من المثقفين او الاكاديميين العرب. فالاستبداد او القمع على سبيل المثال, ينظر اليه دائما بوصفه من الخصائص الطبيعية للسلطة او النظام السياسي, دون السؤال مع ذلك عن منشئه الاصلي وعن علاقة المجتمع وقيمه السائدة بذلك سلبا او ايجابا. ان من شأن النظرة ان تجعلنا امام واقعين لا علاقة لكل منهما بالآخر. فهنا قلة تمارس الاستبداد وتحترفه لخدمة الابقاء على مواقعها ومصالحها, وهناك كثرة متسامحة هي ضحية لهذا الاسبتداد الذي هو ليس من طبيعتها او قيمها! ومن ثم تصبح النتيجة المنطقية والمطلوبة في الوقت نفسه, انه بمجرد انتزاع قدرة القلة على الاستبداد او منعها من ممارسته فإن الاستبداد سوف ينتهي, ليعود التسامح والحرية فارشين ظلالهما على الجميع. وكما نرى فإن مثل هذه الفكرة مغرية وجذابة, لأنها تلخص او تحصر المشكلة في جهة معينة, تسهل معها رؤيتها ولمسها, ومن ثم تزداد امكانيات تحقيق الهدف المطلوب. ولكن هل هذا هو ما يحدث فعلا على ارض الواقع؟ هل ان القضاء على الاستبداد, كما يصور باعتباره نزعة خاصة بشريحة او فئة معينة, يقضي على الاستبداد في المجتمع؟ الواقع يقول ان الاستبداد لا ينتهي بمجرد تغيير السلطة الحاكمة مثلا او اجبارها (بشكل ما) على التخلي عنه. فغالبا ما يلجأ الحكام الجدد انفسهم الى ممارسة الاستبداد. وفي الدول العربية والاسلامية الكثير من النماذج الواضحة للعيان, والتي تمارس الاستبداد, رغم انها وصلت الى مواقع السلطة باسم القضاء عليه ومقاومته. والملاحظ ايضا ان التصفية او العقاب لا يقع فحسب على المعارضين او الاباعد, وانما يشمل كذلك رفاق الدرب وحلفاء الامس القريب, ممن قاوموا الاسبتداد القديم, فإذا بهم يقعون ضحية للاستبداد الجديد, الذي هو من صنع ايديهم. ولتفسير كل ذلك او تحليله, لا تكفي العودة للنظريات القديمة حول استبداد القلة وخضوع الكثرة فهي كما رأينا لا تقدم لنا تفسيرا مقنعا او حقيقيا. لهذا اقترح ان نذهب اعمق من ذلك, ونبحث عما نريد في المجتمع نفسه, الذي تجري فيه هذه العملية. فالاستبداد قيمة او ظاهرة اجتماعية بالدرجة الاولى. وكونها مرتبطة بالسلطة ليس مقتصرا على الجانب السياسي فحسب. ينبغي النظر الى السلطة هنا بمعناها الاوسع, والتي من الممكن ان تشمل مؤسسات الحكم والعمل والتعليم والمنزل والعمل السياسي او الاهلي. ففي جميع هذه المؤسسات توجد سلطة, متمثلة في شخص او مجموعة قليلة من الاشخاص, تسيطر بهذا الشكل او ذاك, على باقي المجموع. واذا كان ثمة استبداد في احد هذه المستويات فهو يعني انه موجود فيها جميعا لانها كلها مجرد حلقات في سلسلة واحدة. ان الانسان الذي عانى من الاستبداد في المنزل او المدرسة على سبيل المثال, قد يشيع هو نفسه هذا السلوك في التعامل مع من يصادفهم في اي مواقع الحياة من حوله. والانسان الذي يعاني من استبداد حكومته, فإنه ينقل هذا الاستبداد الى محيطه الصغير في المنزل او العمل. والمسألة هنا ليست فيما اذا كنت اريد ان اصبح مستبدا او لا اريد. ان هذا السلوك في الغالب يحدث بصورة لا واعية ويترجم نفسه على هيئة افعال وسلوكيات وقيم وآراء وافكار تصب كلها في مجرى الاسبتداد الواسع والعميق. ولو انك سألت شخصا مستبدا عن سبب استبداده, لنفى عن نفسه هذه الصفة بشدة ولا جابك مستغربا: واين هو الاستبداد؟ ان مثل هذا الشخص قد لا يعرف انه مستبد, وهو يسمع عن الاسبتداد كما يسمع الناس وربما يشاركهم في ذمه وذم اهله, رغم انه قد يمارسه في كل لحظة من لحظات حياته. والمشكلة ليست في ان الناس قد يختلفون حول طبيعة الاستبداد او تصنيفه او تسميته المشكلة ليست في المصطلح فمن السهل تشخيص الاستبداد والاستدلال عليه, على الاقل في ابرز حالاته شيوعا ووضوحا اي في الحالات التي يمسك فيها شخص ما بزمام الامور كلها ولا يسمح لاي احد اخر بأن يكون له دور او مشاركة. وانما المشكلة هي في ان مثل هذا السلوك هو كما اسلفنا بطبيعته سلوكا غير واع فالانسان يقوم به تحت تأثير عدد متنوع وكبير من العوامل والدوافع غير الظاهرة في اغلب الاحيان. ان الطريقة التي يلجأ اليها معظم الآباء في مجتمعاتنا مثلا للسيطرة على ابنائهم وبناتهم, تحمل في طياتها مضمونا استبداديا, غير ان الآباء لا يعرفون وقد لا يهتمون كثيرا, ان كان ما يفعلونه يسمى استبدادا ام تربية صالحة بالنسبة اليهم فإن هذه هي الطريقة الصحيحة والمتوارثة والمتعارف عليها لضبط من يقعون تحت مسئوليتهم. انهم يتصرفون من وحي الحاجة للتناغم والانسجام مع البىئة المحيطة والتي ترى بدورها ان هذه هي افضل طريقة للمحافظة على الابناء والبنات من الانحراف والضياع. في هذه الحالة نلحظ نوعا من الاستبداد المعترف به والمزكى من جانب المجتمع. رغم انه كما قد نرى لاحقا انما يمهد الارضية او النفسية لانواع مختلفة من الاستبدادات في مواقع اخرى من الحياة. ان المسألة الجوهرية هنا هي ان انتقال الاستبداد من جيل لآخر, او وقوعه من مستوى على مستوى آخر, انما تتم في اطار من التوافق الاجتماعي المبدئي. وخلال هذه العملية لا ينظر للاستبداد بوصفه عملا شائنا ومرفوضا من حيث المبدأ ايا كانت الطريقة التي يمارس بها او الجهة التي تمارسه او يمارس ضدها وانما انطلاقا من قرب او بعد الموقع الذي يحتله كل انسان منا في سلم هذه العملية. بمعنى ان الاستبداد يصبح عملا جيدا وضروريا من جانب من يمارسونه, لكنه يتحول الى اعتداء وعدوان من جانب الذين يمارس ضدهم. والملفت انه لو تبدلت مواقع الطرفين, واصبح كل منهما في مكان الآخر, لما تغير الحكم في الحالتين. ويمكن ان نرى ذلك واضحا في المواقف السياسية, حيث يتم احيانا تشجيع قتل انسان هنا بينما يدان قتل انسان هناك, رغم تشابه الظروف والملابسات والاسباب ويصبح مطلب ما, شرعيا وملحا في بلد, بينما يغدو هذا المطلب نفسه مرفوضا وزائدا عن الحاجة في بلد آخر. ويغدو تحريك قضية صغيرة وعادية في بلد ما مسألة حياة او موت بينما يتم التغاضي عن قضايا اخطر واكثر جوهرية في بلد ثاني, وهكذا. ان هذا الخلل الاخلاقي في التعامل او النظر للاستبداد هو احد الاسباب الحقيقية في استمراره وبقائه في بيئتنا العربية, سواء على المستوى السياسي او المستويات الاخرى. كاتب بحريني