قضية نواب القروض ليست قضية فساد, ولكنها أكبر من هذا بكثير وأخطر من هذا بكثير, لأن الفساد له حدود معينة وهو موجود في أغلب بلاد العالم. ولكن هذه القضية بتفاصيلها التي نشرت كلها هي دليل أكيد على أن المافيا ظهرت في مصر . وأعضاء المافيا ليسوا لصوصا عاديين, ولكنهم أعضاء في شركات كبرى للجريمة المنظمة, لها رئيس مجلس إدارة وأعضاء ومساهمون وشركاء وموظفين يمارسون عملهم وفق نظام صارم ودقيق أشبه بالعمل في الجيوش المنظمة. وهم يرتكبون كل الجرائم من أول السرقة وحتى القتل, ومنظر رجال المافيا لايدل على أنهم قتلة أو لصوص ولكن أغلبهم يبدون كرجال أعمال ولا أحمد عبود باشا, ويتصرفون في المجتمع كعلماء وحكماء ومثقفين, ولكن الاضافة الجديدة في المافيا المصرية هي وجود سيدة بين الزعماء هي السيدة علية العيوطي, ولم يظهر في المافيا الأمريكية سوى سيدة واحدة, ارتبط اسمها بالزعيم المافيوزي الملقب بـ Baby Face أي صاحب الوجه الطفولي, وقد لقيت مصرعها معه على الحدود الأمريكية الكندية, عندما حاولا اجتياز الحدود بالقوة وأطلقا النار على حرس الحدود, فاضطروا هؤلاء الى اطلاق النار عليهما وقتلوهما ومن كان معهما في السيارة. ونلاحظ في هذه القضية أن العملية ليست عملية قرض يحصل واحد من إياهم ثم يتوقف عن السداد, مثل هذه العملية تندرج تحت عمليات النصب البسيطة ولكن ماحدث في هذه القضية يفوق الخيال, شركات على ودنه من كل صنف وعلى كل لون, شركات مقاولات وشركات للاستثمار العقاري وأخرى للتعمير وتمليك المساكن وخاصة للاستثمار العقاري وسادسة للمطاحن وشركة للصلب وشركة للسياحة وشركة لرصف الطرق. ولكن حكمة الله كل شركة رأسمالها ربع مليون جنيه فقط. وتصوروا شركة للصلب برأسمال ربع مليون جنيه, وهو الأمر الذي يوحي بأنه صفيح صلب لصنع كيزان لدورات المياه لزوم الوضوء والاستنجاء. ولكن شرف شغل المعلمين الكبار بتوع المافيا المصرية التي ترفع شعار إحنا اللى دهنا الهوا دوكو, وإحنا اللى خرمنا التعريفة؟ كل شركة من دول حصلت على قرض, وإحدى هذه الشركات حصلت على قروض من بنكين بمبلغ 600 مليون جنيه ولم تباشر أي نشاط على الاطلاق, وشركة من إياهم حصلت على قرض بمبلغ 30 مليون جنيه. وشركة ثالثة هبرت 45 مليون جنيه, وشركة رابعة هبرت 28 مليون جنيه, وشركة خامسة تواضعت فاكتفت بهبر 13 مليون جنيه فقط لاغير. وشركات أخرى من شركات عصابة المافيا اكتفت بعشرة ملايين ليس إلا, وبعض الشركات الوهمية تواضعت أكثر فلم تهبر إلا ثلاثة ملايين وأحيانا مليونين وستلحظ أسماء بعض المتهمين تتكرر في عضوية الشركات, ولكن هناك اسما معينا هو القاسم المشترك الأعظم في جميع الشركات, وهو اسم المتهم ياسين عجلان, ولا يمكنه الحصول على هذه القروض من باب الجدعنة ولكن لابد من ثمن يدفعه أصحاب القروض, خصوصا وقد حصل المتهمون على هذه القروض بخطابات مزورة صادرة من بنوك أخرى تزعم أن طالب القروض أودع في البنك الآخر عدة ملايين من الجنيهات, وهذا هو سلوك المافيا التقليدي, وقد جاء على لسان أحد زعماء المافيا الأمريكيين وهو يهودي وقد لجأ في وقت ما الى اسرائيل وأقام فيها فترة, وكان هذا الزعيم المافيوزى يشرف على كازينوهات القمار في كوبا, وكان يعتمد على رشوة الآخرين في انجاز معاملاته, فكان يغدق بكرم بالغ على المرتشين, وسأله أحد مساعديه الشبان عن هذا الاغداق الشديد في عمليات الرشوة, فأجاب قائلا: نحن لانزرع شيئا ولا نمنتج شيئا, ولكننا نشتري الفلوس بالفلوس! وهذا المبدأ هو الذي اعتمده زعماء المافيا المصرية في نهب أموال البنوك, ويابخت من نفع واستنفع وتراعيني قيراط أراعيك قيراطين, وقدم السبت تلقى الحد قدامك, وزمان كانوا يقولون المشكلة في المليون الأول, ثم بعد ذلك لاتوجد مشاكل, لأن الفلوس كالدجاج تبيض فلوسا كل صباح! ولكننا اكتشفنا من خلال هذه القضية أن المليون هو شيء تافه جدا.وكأنه بالإمكان الحصول على مئة مليون في ضربة واحدة . والملاحظة التي تلفت النظر أيضا أن أغلبية المتهمين في القضية من المبسوطين ومن أبناء العائلات الكبيرة , أي أن أغلبهم لايحتاج الى الفلوس لكي يرتفع في أعين الناس ولكي يرتفع درجة في السلم الاجتماعي, ولكنه المال السايب والادارة المتواطئة! وإذا كانت هذه القضية قد انتهت باغلاق الزنازين على بعض المتهمين الكبار وهروب بعضهم, فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن.. هل هذه الجماعة هي (العائلة) الوحيدة من صنف المافيا في مصر المحروسة؟ أم أن هناك (عائلات) أخرى لم يتم الكشف عنها بعد؟ وهو سؤال يجب الاجابة عنه في الحال, ليس بالكلمات ولكن بالأفعال بإحكام الرقابة على أعمال البنوك, والتدقيق في اختيار مديري الفروع ومراقبي الحسابات, والضرب بشدة على أيدي العابثين بأموال البنوك باعتبارها أموالا عامة, كما أنها في النهاية دم قلب مصر وعصير حياتها. وعلينا أن نتذكر أن هذه الملايين التي هبرتها هذه العصابة كان بالإمكان خلق فرص عمل بها لنصف عدد العاطلين من شباب مصر , وحرام أن يعيش مجموعة من الشباب في عمر الورد بدون عمل, بينما (عائلات) المافيا سارحة في البلد تنهب خزائن البنوك بشركات وهمية وخطابات مزورة. وللعلم.. العبد لله يرجو أن تمتد بركة المشايخ الذين يحرسون مصر الى البنوك باعتبارها جزءا من مصر.