في وقت واحد كانت أوروبا تشهد مؤتمرين هامين هذا الأسبوع. في وارسو كانت بولندا تستضيف ممثلي مئة دولة ليبحثوا وسائل دعم الديمقراطية في كل أنحاء العالم من خلال مؤتمر (مجتمع الديمقراطيات وحقوق الانسان) . وفي جنيف كانت سويسرا تستضيف الأوساط الاقتصادية والقطاع الخاص ، والمنظمات غير الحكومية في محاولة لاعطاء العولمة وجها جميلا بحيث تلقى القبول لدى شعوب العالم. وفي المؤتمرين لم تمر الأمور بسهولة. ففي وارسو قادت فرنسا معارضة شديدة ضد الاتجاه العام للمؤتمر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, ورفضت التوقيع على البيان النهائي للمؤتمر, وأعلنت بوضوح أسباب معارضتها, فهي ترى أن الغرب يسعى لفرض ما يؤمن به من قيم على العالم بالقوة, وبينما اعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أن جميع دول العالم مستعدة لاتباع طريق الديمقراطية (كما يعرفها الغرب) أصر وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين على أن الغربيين يميلون الى تحويل الديمقراطية الى (دين) والسعي الى فرض اعتناقه على الآخرين (!!) وأكد الوزير الفرنسى أن التدخل الخارجي يمكن أن يكون له تأثيرات خطيرة على الأوضاع الداخلية للدول الأخرى.. أي أن الاعتراض الفرنسي تركز على أمرين هامين وهما: إنه لاينبغي لأحد أن يفرض تصوره الخاص للديمقراطية على الآخرين.. فقد يكون للآخرين تصوراتهم الخاصة بالديمقراطية, والحوار هنا هو الوسيلة الوحيدة للوصول الى التصورات المشتركة. ثم من الذي يعطي للغربيين الحق في أن يحولوا تصوراتهم الخاصة الى مقدسات يريدون فرضها بالقوة باعتبارها (الدين) الرسمي الذي ينبغي على الجميع اعتناقه وإلا أصبحوا من الخوارج والمارقين الذين ينبغي عقابهم حتى يرضخوا. الجانب الآخر من (العولمة) كان مطروحا في جنيف, حيث حضره 600 برلماني وأكثر من 200 منظمة غير حكومية من 65 دولة ليعيدوا طرح قضايا العولمة الاقتصادية الشائكة في محاولة لتجميل وجهها بعدما حدث في مؤتمري سياتل ودافوس من قبل. ولكن يبدو أن مشاعر الندم تظهر الآن على السطح لدى الحكومة السويسرية بعد ان اجتاحت المظاهرات مدينة جنيف ترفع الشعارات المناهضة للعولمة وتشير بأصابع الاتهام الى منظمة التجارة العالمية التي رفعوا باسمها تمثالا لـ (دراكولا) باعتبارها المنظمة التي تمص دماء الشعوب لخدمة الرأسمالية المتوحشة, وتهاجم الهيمنة الأمريكية على العالم وتطالب بالتضامن مع شعوب العالم ضد العولمة التي يتم فرضها الآن على الشعوب الفقيرة لصالح الأغنياء. وقد كشف متندى جنيف 2000 عن وجود تيار قوي مناهض للعولمة. وأكد أن مظاهرات سياتل ودافوس لم تكن مجرد حادث, بل كانت تعبيرا عن تحالف بدأ يتأكد في العالم كله ضد العولمة. ولعل اجتماعات قمة الـ 15 التي شهدتها القاهرة قريبا كانت جزءا من هذا التيار الذي يستند الى حقائق استحالة التنمية في الدول الفقيرة في ظل وطأة الديون ورفض الدول الغنية لتحمل مسئوليتها وتقديم العون من أجل سد الفجوة بين أغنياء العالم الذين يزدادون ثراء وبين فقراء العالم الذين يعيش 2.1 مليار منهم بأقل من دولار واحد في اليوم ويعيش 6.1 مليار آخرين منهم بأقل من دولارين في اليوم. وفي مواجهة ذلك, ومع اجتماعات مجموعة الـ 15 وغيرها من اللقاءات الرسمية, قررت المنظمات الرسمية المتحالفة ضد العولمة عقد منتدى اقتصادي آخر في البرازيل مناهض للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي ينعقد كل عام في دافوس والذي يقوم عملية العولمة الاقتصادية وينطق باسمها!! وهكذا أبرز المؤتمران الأخيران في وارسو وجنيف وجهين جديرين بالتأمل للنظام العالمي الجديد.. الديمقراطية وحقوق الانسان من ناحية, والعولمة الاقتصادية من جانب آخر. كما أبرز المؤتمران صورا للمعارضة التي تزداد لهذا النظام الجديد.. ومع ذلك كله تبرز الأسئلة الهامة التي ينبغي لنا في العالم العربي أن نتوقف عندها وأن نحدد موقفنا تجاهها, دون خشية من أن نكون من (المطاريد) في هذا العالم الذي تبشر به أمريكا وأخواتها. الموقف الفرنسي في مؤتمر (وارسو) يطرح بعدا هاما بالنسبة لنا في قضية الديمقراطية, ويثير إشكالية الزعم بوجود نموذج واحد للديمقراطية ينبغي تعميمه على العالم كله ودون اهتمام بالخصوصيات الخاصة للشعوب المختلفة. وفي نفس الوقت فإنه يطرح الخشية من استغلال البعض لقضية (الخصوصية) لقتل الديمقراطية وتكريس النظم الاستبدادية وفرضها على الشعوب المغلوبة على أمرها. إن الحقيقة هنا تبدو في منطقة وسط. فلا ينبغي للغرب أن يفرض ما يؤمن به من قيم على الآخرين, ولا أن يلزم العالم كله بنقل نموذجه الديمقراطي. ومن حق الشعوب الأخرى أن تقدم رؤيتها المختلفة, وأن تتمسك بقيمها الخاصة, ولكن دون المساس بجوهر الديمقراطية الحقيقي, ودون الانتقاص من حقوق الانسان الأساسية التي كفلتها الأديان السماوية والمواثيق الدولية والقيم الأخلاقية. نعم.. هناك خصوصية لكل مجتمع. والطريق الى الديمقراطية ليس واحدا ولكنه لابد أن يمر في كل الأحوال عبر المساواة بين المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات, وعبر حرية الرأي والتعبير, وعبر الانتخابات الحرة. نعم.. هناك خصوصية لكل مجتمع. ولن يستطيع الغرب أن يفرض رؤيته في الحرية الجنسية أو الشذوذ أو زواج المثيلين على الآخرين, ولا يستطيع أن يفرض على المجتمعات الاسلامية ما يعارض دينها وما تؤمن به من قيم.. ولكن ذلك لايعني أن تكون الحقوق الأساسية محل خلاف أو مساومة, فالحق في الحياة والتعليم والصحة, ومناهضة التعذيب والتمييز العنصري, والحق في العمل والسكن والمشاركة في ادارة الشئون العامة وحرية الرأي والتعبير, والمساواة أمام القانون, وغير ذلك من الحقوق.. ليس امتيازا خاصا لدول الغرب, وليست أيضا وسيلة لابتزاز الأنظمة في الدول المتخلفة كما تفعل أمريكا حين تغض البصر عن أبشع ممارسات هذه الأنظمة حين تكون راضية عن هذه الأنظمة, ثم تبدأ في التشهير إذا لم تنفذ هذه الأنظمة رغبات أمريكا دون اهتمام بمصير الشعوب ذاتها. الديمقراطية وحقوق الانسان ليست امتيازا للغرب وليست أيضا وسائل للضغط على الحكومات في الدول المتخلفة, بل هي حق أصيل لشعوب العالم كله, وأظن أن العرب هم الأحق بالتمسك بها.. فقد دفعوا ثمنها غاليا للاستعمار الأوروبي والاستبداد الداخلي, وامتلكوا كل أدواتها.. ثقافة متسامحة وفكرا منفتحا ودينا يكرم الانسان ويرفع من شأن العقل ويأمر بالشورى والعدل. ونفس الشيء على الجانب الآخر من وجه النظام العالمي الجديد. أي العولمة الاقتصادية. وكما فتح الاعتراض الفرنسي في مؤتمر وارسو الباب أمام حوار مطلوب حول الديمقراطية وحقوق الانسان تراعي الخصوصية ولاتناقض الأساسيات, فإن ما حدث في مؤتمر جنيف يعيد الى الذاكرة أحداث سياتل ودافوس, ويبرز الوجه البشع للعولمة, ويعيد طرح السؤال الحيوي: لماذا تكون هذه هي نهاية التاريخ كما تريد أمريكا؟ أو بمعنى آخر لماذا تكون هذه هي العولمة بعد أن كشفت عن وجهها القبيح هي المصير النهائي لكل شعوب الأرض, وكيف يمكن أن يكون الأمر كذلك وأول ما كشفت عنه هذه العولمة هي غياب العدل بين دول الشمال والجنوب.. بل وداخل الدول نفسها حيث يزداد تركيز الثروة في يد الاقلية ويتم توزيع الفقر على الآخرين وهو الأمر الذي يحرك المعارضة للعولمة داخل أوروبا وأمريكا الآن؟ إن العولمة الحقيقية لابد أن تكون تحالفا بين شركاء متساوين في الحقوق والواجبات وليست تكريسا لسطوة الغرب على العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا والعمل على أن تكون هذه السطوة أبدية كما تريد أمريكا وشركاؤها. إن القول بأننا نعيش في قرية كونية واحدة يستلزم أن يكون كل أهل القرية شركاء في التمتع بالحياة في هذه القرية وفي تحديد مسارها وتقرير مصيرها. وقد تكون أمريكا هي (عمدة) هذه القرية الآن, ولكن ذلك لايمكن أن يكون وضعا أبديا, ثم إنه لايعطيها حق تحويل أهل القرية جميعا الى عبيد لها, وإصرارها على تكريس مثل هذه الأوضاع الشاذة - مهما كانت قوتها - لايمكن أن يؤدي إلا الى انفجار الأوضاع في وجهها.. اليوم أو غدا. إن العلاقة الصحيحة الوحيدة التي مازالت الولايات المتحدة الأمريكية مجبرة على إقامتها في ظل العولمة التي تفرضها على العالم.. هي تلك العلاقة التي تقيمها مع الصين التي مازالت تحتفظ بخصوصيتها, وتفرض أولوياتها, وتأخذ من (العولمة) ما يتوافق مع مصالحها وترفض ما عدا ذلك.. ومع احتفاظها بثقافتها تنفتح على العالم وتحقق أعلى معدلات النمو, ومن مركز القوة (الاقتصادية والثقافية) تتقابل مع العالم. ولايعني ذلك أن التجربة الصينية هي المثال الذي ينبغي أن نحتذيه, ولكنها الدليل على أن هناك نماذج أخرى تستطيع الحياة, وقد تستمر التجربة الصينية الناجحة حتى الآن أو لاتستمر وقد تسلم في النهاية بما يفرضه النظام العالمي(الأمريكي) أو تحتفظ بطريقها الخاص, ولكنها في كل الأحوال تجربة فريدة وناجحة وتستحق المتابعة من جانب العرب الذين امتلكوا طريقهم الخاص في الستينيات, وكانت لديهم الفرصة كاملة بعد حرب أكتوبر لكي يفعلوا ما فعلته الصين وربما أكثر. ولكنهم كالعادة أهدروا الفرصة, واستسلموا لعوامل التخلف الكامنة في مجتمعاتهم, واستنفدت قواهم حروب القبائل, وأغلقوا بأيديهم طرق النهضة, وتركوا مصيرهم بيد (الآخرين) وانتظروا الخير.. ومازالوا ينتظرون بلا مبرر.. وبلا نتيجة! الآن.. يبدو العالم كله في مفترق طرق, والأسئلة التي كان البعض يؤمن أنها وجدت إجابتها النهائية.. يعاد طرحها من جديد.. واليقين أصبح مؤكدا بأن النظام العالمي(الأمريكي) الجديد لايمكن أن يستمر بصورته الحالية, والوجه البشع للعولمة يزداد قبحا, والديمقراطية وحقوق الانسان يزداد ترسيخها باعتبارها حقا لكل شعوب العالم وليست امتيازا للغرب وحده, وحق الشعوب في ابتداع طريقها الخاص الى المستقبل يتأكد, والحاجة لعالم أكثر عدلا وأشد تمسكا بالحرية والتقدم الحقيقيين تزعج المسيطرين على العالم الآن, ولكنها تفتح أبواب الأمل أمام الآخرين(ونحن منهم).. فهل نبدأ حتى بالتساؤل كما يتساءل العالم كله, أم نظل نجتر أمجاد الماضي وأحلام المستقبل.. تاركين مصيرنا في غير أيدينا؟ هل نبدأ في التساؤل(مجرد التساؤل) أم نظل نتفرج.. حتى تفوتنا كل القطارات؟!