عندما تضطر لمفارقة من تحب, فإنك تختار دون أن تدري - وربما تدري - نوعا من الحياة مشحونة بالانتظـار والتوتر, كما تصبح في مواجهة أكثر الأوقات صعوبة على الروح, وأكثر الأماكن امتلاء بالحواجز. وكلما حاولت الانتماء للتفاصيل الجديدة التي تعيشها والانغماس في متعها ومتاهاتها, فإن وجها أو صوتا أقوى من الاضطرار يسمرك حيث انت ويدفعك للوقوف على الرصيف آخذا في عد الأيام التي بقيت, أو تلك التي تفصلك عمن تحب. في أسفارنا نتلامس قويا مع قهر الفراق, نتعرف على أمهات فارقن أبناءهن اضطرارا, وأب غادر للتو بعد ميلاد ابنته بأيام وذهب بعيدا مخلفا وراءه قلبه يذوب اشتياقا لذلك الوجه النائم بكل الطهر في حضن المهد والسكينة. نعرف زوجات وحبيبات وعشاقا وأبناء وأصدقاء, باعدت المسافة بينهم وبين وجوه حميمة, وأصوات تنقر في قاع القلب كما تنقر العصافير نوافذ الدنيا كل صباح, مبشرة بهطول الأسرار من قلوب الأحبة وبمواسم الأشواق التي لا تنتهي. وحينما نجلس ونستمع لحكاياتهم, فإن الليالي كلها تضج بأسئلة لا تجيب عنها سوى أقدار الفراق وقهر المسافات! في الذهاب البعيد يحلو للبعض أن ينبش في تفاصيل الوجوه وحركات الأيدي, وشرود العين والقلب.. يحلو للبعض أن يكتشف عاشقا متلبسا بالشوق والوجد, ذلك ان العاشق الممعن في الشفافية والتماهي في الآخر والوجود من أكثر الناس جمالا واستشفافا لما وراء الأشياء بعين الصدق والاخلاص. نتساءل كثيرا لماذا انتهت كل حكايات العشاق بالفراق الأبدي الذي لعب فيه الموت والحرمان دور البطولة المطلقة؟ لا أدري ماذا كان سيحدث لهؤلاء لو لم يفترقوا, أكان ذاك الحب الاسطوري سيبقى كما هو؟! لكن ذلك الذي استبسل في التفريق بينهم, ماذا أخذ في النهاية؟ هل زاد في عمره يوما؟ هل أغمض عينيه ووجد طريقه للراحة والنوم ببساطة؟ صعبة المسافة على الروح, وقاهر فراق من نحب, وإذ نغادر مواطننا فإننا نخترق جبالا, وقارات وملايين المسافات والخطوات, وحيث نضع أقدامنا على الأرض الجديدة, وإذ ندخل إلى غرفنا الباردة ونخلع ثيابنا, نشعر بذلك الذي غادرناه وقد ارتسم كوشم غجري يزاحم دماءنا على جدران القلب, وإذ نفتح حقائبنا تضج رائحته من ثنايا الثياب, ويطل وجهه هازئا بحكاية المسافات, وإذ تفتح أول كتاب لتقرأه محاولا كسر الحاجز بينك وبين الأمكنة للوهلة الأولى, يسرق ذلك المختبئ في الروح كل الحروف والكلمات ويتشكل هو حكاية أخرى بين دفتي كتاب.. بين دفلتي قلب. هل هناك فراق بعد ذلك؟ لا فراق لمن نحب, إذا كنا نحبهم فعلا - كل ما تفعله المسافات هي أن تزيدنا قربا بمن نحب وتزيدنا به علما وامتلاء, مع ذلك فلا أحد يرغب في اختراق المسافات إذا كان ..... عاشقا.