يبدو أن المصائب التي بات على أمتنا أن تبتلى بها وتمتحن لا تأتي فرادا, فلو أننا إفترضنا معادلة رياضية مجردة لكم وألوان التوحش الاسرائيلي في مواجهة الشعب العربي, أمس واليوم وغدا, (أمس) عبر نصف قرن ويزيد من العدوان والتنكيل والتوسع والاستيطان والاستئصال, و(اليوم) عبر التشبث باحتلال الجولان والاصرار على استنزاف مخزون المياه العربية في بحيرة طبرية, والتسويف والمماطلة في الوفاء باستحقاقات السلام على المسار الفلسطيني, و(غدا) عبر ما تبيته اسرائيل من نوايا العدوان ضد العرب حتما إن عاجلا أم آجلا, وإلا ما معنى ولأي غرض حالة التشبع والى حد تصوير الفائض عن حاجة ترسانتها من الأسلحة التقليدية التي تفوق أضعاف ما لدى الجيوش العربية مجتمعة, فضلا عن حيازتها لمختلف أشكال أسلحة الدمار الشامل الصاروخية والكيماوية والبيولوجية, وما بين 300 الى 500 رأس نووي مختلفة الأحجام والاستخدامات! طبيعي والحال كذلك أن يبادل العرب اسرائيل العدوان بالعدوان, وأن يحتشدوا فرض عين وبكل امكاناتهم المادية والسياسية والمعنوية لردع اسرائيل حتى تسلم بحقوقهم المشروعة وتعيد أراضيهم السليبة مقابل الاعتراف بها والتعايش معها في سلام, وذلك هو رد الفعل المنطقي لمعادلة الصراع العربي الاسرائيلي, ورغم ذلك يفجعنا البعض بدفن رؤوسهم في الرمال طوعا حتى لايطالعوا الحقيقة كنور الشمس في عز الظهر, عندما يتعاملون مع اسرائيل كأنها ولي حميم .. لا عن جهل بطبيعتها العنصرية التي تحتقر العرب وترى في قهرهم واستلابهم اتساقا ايمانيا مع عقيدتها التوراتية, وإنما عن خيانة ولاشك لكل المبادئ والثوابت التي عاشت بها أمتنا, فإن شئنا التخفيف من وقع المصيبة فمن باب الخنوع واليأس وخداع النفس, خاصة وأن ثقافة الزمن العربي الرديء جاهزة وتحت الطلب للوفاء بالحجج المزيفة والمبررات المعلبة, للاستقواء بها في الدفاع عن مواقفهم وخياراتهم الرامية لتطبيع العلاقات مع اسرائيل, رغم أن اسرائيل لم تبادر الى مجرد خطوة واحدة تؤكد عزمها على تطبيع علاقاتها مع العرب بشفافية ونزاهة في اطار صيغة السلام العادل والشامل والأرض مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية.. الخ.. الخ. ومما يندى له الجبين القومي بالذل والعار, أن يصل اسرائيل وفد صحفي جزائري, لا سرا وفي الخفاء كما كان عليه الحال من قبل, حيث تكررت مثل هذه الزيارات الفردية والجماعية احتماء بازدواجية الجنسية الجزائرية الفرنسية, ثم نترك للقارئ الفطن اختيار التعبير أو الصفة اللائقة التي تستحقها الحكومة الجزائرية, حين شجعت زيارة مواطنيها لاسرائيل سواء بغض الطرف أو السكوت كدليل على الموافقة وعلامة الرضا, فلما كان رد فعل الزيارة صاخبا ومزريا ومستهجنا عربيا وجزائريا, إذ بالحكومة الجزائرية تتراجع عن غيها المفضوح وتنفي علمها المسبق بزيارة الصحفيين لاسرائيل, والى حد اتهامهم بالخيانة وتركهم بالتالي فريسة مستباحة لجماعات الارهاب الأصولي التي دأبت على اغتيال النخب السياسية والثقافية والصحفيين في مقدمتهم, خاصة بعدما شهدت الدولة بخيانتهم للعروبة والاسلام, فضلا عن تنكرهم لتاريخ الجزائر النضالي المجيد في مواجهة الاستعمار والفرنسة والتغريب, فهل ذهبت أرواح ما يزيد على مليون شهيد سدى الى حد التطبيع مع اسرائيل عيانا بيانا؟! والأدهى والأمر أن يؤكد الصحفيون الجزائريون المطبعون أن رئاسة الجمهورية الجزائرية لم تمانع في تلبية دعوة ديفيد ليفي وزير خارجية اسرائيل لزيارتها مع عدد من الطلاب الجامعيين, وعلى ما يبدو أنه جرى بشأن تمرير الدعوة اتصالات سرية بين الجزائر وتل أبيب و حسبما أكد أفيف شيرون المتحدث باسم الخارجية الاسرائيلية, علم رئاسة الجمهورية الجزائرية بزيارة الوفد, في الوقت الذي أدانت فيه الزيارة في محاولة يائسة لامتصاص السخط الوطني والعربي والاسلامي, إثر انقلاب السحر على الساحر, وانكشاف اللعبة المزدوجة الخطرة التي يمارسها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عبر تصريحاته المكرورة التي ينفي فيها أي احتمال للتطبيع مع اسرائيل مالم تفي باستحقاقات السلام العادل والشامل على مختلف المسارات العربية, بينما لا تفوته فرصة أو مناسبة تجمعه مع قادة اسرائيليين إلا وحرص على الالتقاء بهم عمدا وليس من قبيل الصدفة على حد اعترافه شخصيا, حدث ذلك عندما التقى ايهود باراك على هامش جنازة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني, وبعدها على التوالي التقى وزير خارجية اسرائيل ديفيد ليفي, ثم شيمون بيريز وزير التعاون الاقليمي, ثم شلمون بن عامي وزير الأمن الداخلي, وأخيرا لقائه بزعامات الجالية اليهودية خلال زيارته فرنسا, ونحسب أن هذا المنحى السياسي الخطير لايتسق مع الآمال المعقودة عليه لانقاذ الجزائر من محنتها ولا مع تاريخه النضالي والدبلوماسي المشرف, ومن هنا نربأ بالرئيس بوتفليقة أن يضع نفسه في قفص الاتهام مع الصحفيين الجزائرين المطبعين الذين اتهمهم بيان الرئاسة بالخيانة! والشاهد أن الذاكرة الجزائرية تحفظ العديد من الأسماء والمناسبات والتواريخ المعاصرة التي تحيط بالزيارات الشعبية والرسمية المتبادلة بين الجزائر واسرائيل, خاصة وأن اسرائيل لاتخفيها وتتعمد الاعلان عنها وتوريط الزوار الجزائريين بالظهور على مرأى من الصحافة والتلفزيون, بغية الايحاء لغيرهم من العرب المتشددين بأن التطبيع جار على قدم وساق بهم وبدونهم وأن عليهم اللحاق بالركب, لكن تظل الزيارة الأخيرة لوفد الصحفيين الأكثر إثارة للجدل العنيف, سواء على الصعيد الشعبي والسياسي وسواء داخل الجزائر أو على الصعيد العربي.. و.. رب ضارة نافعة, حيث طالت أصابع الاتهام والامتعاض أسماء بارزة في السلطة والجيش بوجه خاص , نسبت اليها الترتيبات التصاعدية لعملية تطبيع علاقات الجزائر مع اسرائيل, وبينهم عدد من الجنرالات المنسوبة اليهم معظم الأزمات المتباينة التي تعيشها الجزائر منذ سنوات, ولعل هذه العلاقة بين الفساد الداخلي واسرائيل تفسر الكثير, وتشي بحلول أجل الثأر المبيت من ثورة المليون شهيد وكل ما تمثله من نضال وصمود وتضحيات حتى نال الشعب الجزائري حريته واسترد هويته العربية الاسلامية, ثم راح يستعيد دوره الغائب على الساحة العربية, ورد الجميل للأشقاء الذين ساندوا كفاحه. ومن هنا لم يكن غريبا أن تتفجر أقوى ينابيع السخط الساخنة على زيارة الوفد الصحفي الجزائري لاسرائيل من سوريا, حين رأت غرابة الواقعة لكونها صادرة عن أرض المليون شهيد, وأن تكون الجولان ضمن برنامج الزيارة, وقالت صحيفة الثورة لسان حال حزب البعث الحاكم في سوريا: (لماذا لايأتي هؤلاء الى القنيطرة في الجانب الآخر من الجولان المحتل ويرون بأم عينهم وحشية الاسرائيليين وحقدهم الأعمى, وكيف دمروا مدينة من المدن العربية عن بكرة أبيها. لم يفعل الاستعمار الفرنسي في الجزائر إلا أقل من ذلك , ولكن كان السوريون يزودون بالدم على أرض الجزائر) , وفي تعليق الأحزاب الجزائرية على الزيارة قال بيان حركة النهضة أن الزيارة خطوة مخزية, لأنها تأتي في وقت تواصل فيه اسرائيل عدوانها على مقدسات العرب والمسلمين, ورأى حزب التجديد أن حرية التعبير والحصول على المعلومات لايبرر هذه الخطوة المشينة, وقال حزب التجمع أن الزيارة خيانة وتمرد على ارادة الشعب والدولة, وطالب بالتحقيق ومحاكمة أعضاء الوفد الزائر لاسرائيل. فإذا كان اتحاد الصحفيين العرب قد بادر الى ادانة وفد الصحافة الجزائرية على موقفه وأعتبره نكوصا عن الخط القومي وميثاق الشرف الصحفي العربي, وهذا في حد ذاته موقف حاسم ومطلوب لرد الاعتبار الى الصحافة العربية, لكنني أحسب أن المطلوب عمل جماعي يتصدى لمثل هذه الخروقات لجبهة الصمود العربي في مواجهة زحف التطبيع مع اسرائيل, عبر وقفة حاشدة ومسئولة للمنظمات الأهلية العربية, تلزم الحكومات والجماعات والأفراد بالثوابت القومية وتعرية المنحرفين وتعقبهم بالإدانة والمقاطعة! كاتب وصحفي مصري