بعد ان اجتزنا خطوط القرن العشرين, واقتحمنا بوابة الألفية الثالثة اصبح من الطبيعي ان نحاول مراجعة الكثير من الامور والقضايا والمواقف والممارسات والاتجاهات المتعلقة بحياتنا ومستقبلنا في شتى المناحي والدروب.ويهمنا هنا الآن, ما يتعلق بالثقافة فقد كانت ثقافتنا وما زالت, تعنى بمسائل عديدة تدخل في عداد العلوم والآداب والفنون والتراث وغيرها. ولكن العنصر المشترك في معظم هذه الفروع هو المعلومات, وبتعبير آخر, فإن المدرسة والصحافة والاذاعة والتلفاز ومختلف وسائل التعليم والتثقيف, تميل على الاغلب الى تزويد المتلقين, من طلاب ومستمعين ومشاهدين, بأكبر قدر من المعارف والبيانات والارقام ولوائح المعلومات والسمة الثانية لثقافتنا التقليدية ان الاساليب التي تتبعها في التوعية والارشاد تسلك مسلكا تلقينيا مملا وتسير على منوال روتيني مضجر وتكرر نسقا رتيبا معروفا وتعزف على اوتار نصائح وارشادات مكرورة. ونعتقد ان هذه الادوار التي تضطلع بها ثقافتنا على اهميتها وفوائدها التي لا تنكر اصبحت بحاجة الى اعادة نظر لانها لم تعد كافية لتحقيق تكيفنا مع تطورات العصر فنحن اليوم نحتاج الى ما هو اكثر من المعلومات والى ما هو ابعد من التلقين الروتيني. فالمعلومات اضحت اليوم متوافرة بشكل لم يسبق له مثيل في الحواسيب واشرطة التسجيل والانترنت والاقراص المدمجة وغيرها وبات بمقدور اي انسان ان يحصل بسهولة ويسر على اي نوع منها في اي مجال يهمه ويتناغم مع تخصصه ولكن ما ينقصنا بالفعل كيفية استخدام المعلومات بفعالية وتوظيفها في الدروب الصحيحة والمسالك الموصلة للتقدم العربي. وهذا يعني ضرورة انتهاج مناهج جديدة في التفكير والتدبير والتخطيط تؤدي الى استغلال المعلومات على خير وجه. وهذا يشبه استخدام التكنولوجيا في التطبيق العملي للنظريات العلمية. فالعلم والمعلومات, كلاهما لا تكتمل الفائدة منهما الا عندما يتم استثمارهما على الارض بطرائق ناجحة ومفيدة. وفي المجال التوجيهي لابد من الابتعاد عن الاساليب الوعظية القديمة في التوجيه, لان معظمها تحول الى كليشهات روتينية فقدت الكثير من بريقها وقدرتها على الاقناع. والمطلوب الآن ضرب جديد من ضروب الارشاد يرمي الى التركيز على توجيه الانسان نحو التطبيق العملي للمبادىء والقيم وتبني الروح الجماعية, والاعتراف بحقوق الآخرين وتقبل النقد واحترام الرأي الآخر, ورعاية مصالح الغير ومكافحة النزعة الفردية النرجسية وكذلك سلوك مسلك الحوار والمسالمة بدلا من العنف الذي لا يجوز اللجوء اليه الا في الحالات الدفاعية او لدى استنفاد جميع الوسائل الحوارية والسلمية لاستعادة الحقوق المهضومة. ومن جهة ثالثة, فإن اجهزة الثقافة العربية توجه قدرا كبيرا من طاقاتها نحو تثقيف النخبة من المفكرين والصفوة من المثقفين. ونعتقد ان من الضروري ايضا توجيه اهتمام اكبر نحو ملايين الافراد ذوي الثقافات الضحلة والضعيفة, فهؤلاء هم الاكثر حاجة الى التعليم والتثقيف والاجدر بالتوجيه. ومن الامور بالغة التأثير, والتي قد تأتي في الدرجة الاولى من الاهمية, ضرورة ابعاد الثقافة العربية عن المضمون الاحادي وتوجيهها نحو التعددية التي تدرس الظواهر من مختلف المناظير وبجوانبها الايجابية والسلبية. وما ذكرناه حتى الآن, ينطبق على النواحي النوعية والكيفية, اما في مجال المضمون, فإن من واجب ثقافتنا ان تعنى بالقضايا الاكثر الحاحية وارتباطا بتطورات العصر, فهناك مثلا مشكلة العولمة وضرورة تسليط المنظار الحيادي والتعددي على محاذيرها ومزاياها في آن واحد, حتى يتخذ المثقفون منها مواقف واضحة تستند الى الاهتداء بهدي الحقائق الموضوعية. وهناك كذلك مسألة المجتمع المدني وحاجة الكثيرين من الناس العاديين الى الاطلاع على حيثيات هذا المجتمع وخصائص وطرق تطويره والى معرفة الاسس التي يقوم عليها والعناصر التي تدخل في تركيبته مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان والتعددية, ولا ننسى ايضا موضوع النظام العالمي الجديد, واهدافه المستقبلية المعلنة ولا سيما منها حل النزاعات الاقليمية ونشر الديمقراطية واشاعة السلام والتصدي للتحديات البيئية, ولا يفوتنا التأكيد على اهمية موضوع التطورات الحديثة في الطب مثل فن زراعة الاعضاء والهندسة الوراثية والجراحة التنظيرية وغيرها. وما ذكرناه هنا مجرد امثلة عن موضوعات جديدة نرشحها لنيل الاولوية في سلم الاهتمامات الثقافية. مجمل القول, ان على ثقافتنا العربية, المعاصرة والمستقبلية, ان تنتقل من مرحلة تزويد الناس بالمعلومات الى مرحلة تعليمهم كيفية استخدامها بنجاعة ومن طرق التلقين الوعظي النظري الممل الى التأكيد على الممارسة الاخلاقية العملية والتصرف بروح الجماعية والغيرية ومن التركيز على تثقيف الآلاف من الصفوة الضيقة من المفكرين الى زيادة الاهتمام بتثقيف الملايين من جماهير الناس العاديين والانتقال من الاحادية الى التعددية ومن العناية بالموضوعات الروتينية المكرورة الى تسليط الاضواء على القضايا الكبرى الساخنة في عالمنا المعاصر مثل العولمة والمجتمع المدني والسلام العالمي وغير ذلك. وهكذا, فإن اعادة صياغة التوجهات الثقافية العربية, وتطويرها بما يناسب مستجدات العصر يعد من بين اهم مستلزمات التقدم العربي المستقبلي. كاتب سوري