لا شك ان الحياة بعد (ثورة الجينات) لن تعود كما كانت, بل لن تبقى على حالها أبدا, فكل ما على الأرض من بشر سوف يناله نصيب من هذه الثورة, بل ان هذا النصيب سوف يمتد إلى قواعد النظام الدولي, وإلى العلاقات الدولية, اذ سوف تتراجع اشياء وتتقدم اشياء اخرى, لم يكن لها القيمة الكبرى. واذا تحدثنا مثلا في العولمة فسنجد انها بفعل هذه الثورة قد امتلكت ذراعا جديدة طويلة, كانت قبل هذا الاكتشاف قصيرة جدا. فالى جانب الأدوات الحالية لهذه العولمة كثيرة الطنطنة وهي:الاداة الاعلامية الانترنت والاداة الاقتصادية, والاداة العسكرية, ظهرت في الافق بفعل (ثورة الجينات) اداة رابعة ـ ربما تكون مستقبلا اكثر فعالية من كل الأدوات السابقة ـ ألا وهي الاداة البيولوجية, ذلك ان تمكن العلماء من الوصول إلى وضع خرائط جينية تكشف خصائص الأمم والشعوب, فلا شك ان لكل امة من الأمم مثل هذه الخصائص, والا فلماذا ينتشر مرض معين بسهولة في قبيلة ما أو بين ابناء منطقة ما دون غيرها. لماذا حصدت الانفلونزا مثلا عشرين مليون أوروبي في النصف الأول من القرن العشرين. ولم تفعل فعلها في غيرهم, كالافارقة مثلا ولماذا ينتشر مرض الملاريا بقسوة في افريقيا بينما أوروبا خالية بل بعيدة عن هذا المرض, ومن الشواهد ايضاً وجود مرض ذبابة تسي تسي وعمى الانهار وغيرهما في افريقيا وبعض دول امريكا اللاتينية, وكل ذلك ينطبق أيضاً على تفشي مرض وراثي ما في وسط قبيلة أو مجموعة اسر معينة بفعل الزواج من الاهل والعشيرة. ربما يقول قائل ان الأمر يخضع لوجود هذه الفيروسات والميكروبات في مكان ما دون آخر, نعم هذا صحيح, ولكن من المؤكد ان للطبيعة البيولوجية دورها وتأثيرها ايضا. فالانسان ابن بيئته وابن المناخ الذي يعيش فيه وابن الوراثة أيضا. ولذا فمن المتوقع ـ مستقبلاً ـ ان تكون الخرائط الجينية للشعوب والأمم امرا واقعا وحقيقياً. وعندئذ سوف يكون لهذه الخرائط فوائدها ومضارها. وتكمن الفوائد مثلا في تقوية مناعة شعوب ما في مواجهة مرض معين يفتك بهم وذلك من خلال فهم التركيب الجيني للطرفين (الناس والميكروبات) وادخال تعديلات عليه, وهنا نتوقع اختفاء بل استئصال امراض معينة. أما السلبيات فالمجال فيها يتسع لكثير من التكهنات, خاصة اذا تحول الأمر إلى تجارة أو إلى استخدام كل ذلك في اللعبة السياسية بين الدول, فاذا عدنا إلى الوراء سنجد ان دولة كمصر مثلا شهدت خلال عقد السبعينيات هجوما من الباحثين الغربيين, وخاصة الامريكان وهؤلاء كان هدفهم محاولة فهم الابعاد الاجتماعية والنفسية للمجتمع المصري, حتى انهم لم يتركوا شيئا الا ودرسوه, فعند انشاء وتحديث شبكة مجاري القاهرة الكبرى جمعوا احصاءات حول كل شىء, ثم صبت كل هذه المعلومات لدى الأجهزة والمؤسسات الغربية التي استطاعت تشريح المجتمع المصري ووضع كل خصائصه تحت المجهر للوقوف على نقاط ضعفه وقوته مستعينة ايضا بفحص القمامة, واليوم تدفع مصر ثمن تحول كل هذه المعلومات إلى مؤامرات مثل تهديد الوحدة الوطنية حينا, ومحاولة تجفيف المنابع الفكرية والدينية حينا آخر كالضغط نحو تفكيك مؤسسة الأسرة ليس في مصر فقط ولكن على الصعيد العربي والإسلامي, بل والعالمي بأكمله. وهكذا فمثلما اخترق الأمن القومي من الجانب الانثروبولوجي, فما المانع من حدوث هذا الاختراق عن طريق الخريطة الجينية للشعوب وهذا اشد فتكا ودمارا. وهنا يجب على الدول العربية وغيرها ـ خاصة دول العالم الثالث ـ التنبه إلى ان الخصائص الجينية لشعوبها اصبحت جزءا من صميم امنها القومي وهذا الأمر بالطبع ليس نكتة طريفة ولكنه حقيقة ان لم تكن اليوم فغدا.. وان غدا لقريب جدا. ويزداد الأمر خطورة اذا كانت هذه الخريطة تتصل بشخص رئيس أو زعيم سياسي مشاكس من وجهة النظر الغربية ولكي تقترب الصورة أكثر ماذا لو ان الخريطة الجينية لصدام حسين وقعت في ايدي الغرب, أليس من السهل استخدامها في تحقيق اغراض غير مشروعة. فالولايات المتحدة حاولت التخلص من الرجل بالاغتيالات والانقلابات ولم تفلح. ان الخصائص الجينية لأي شعب سوف تمثل حصنه الأخير, لأن وصول الاعداء اليها يعني نفاذهم إلى أهم خصائص هذا الشعب, ومن ثم فماذا يمنع من وضع سلاح بيولوجي فتاك يمكنه التعامل مع الطبيعة الوراثية ويلتف حول القدرات والصفات المناعية لهذا الشعب, وبالتالي يتحقق دمار هائل اشبه بما كان يفعله الغزاة الاوائل عندما كانوا يسممون آبار الأقوام التي يريدون قتلها أو نهب اوطانها. نفس الأمر سيحدث بلا شك. وليس ببعيد عنا ما سبق ان نشر في الصحافة الإسرائيلية ونقلته صحافتنا العربية ان إسرائيل تمكنت من انتاج سلاح بيولوجي قادر على الفتك بالعرب دون غيرهم تبعا لخصائصهم الجينية, هذا القول الذي تردد قبل نحو ستة اشهر اعتبره البعض آنذاك مزحة سخيفة ولكنه اليوم اصبح ممكنا امام التقدم العلمي ومع الوصول إلى الاسرار الجينية. ألم يقل الإسرائيليون بعد ذلك في محاولة لنفي هذه التهمة ان العرب واليهود ابناء عم فعلا من واقع الفحص الجيني, كل هذه المخاطر وان كانت اليوم غير متصورة أو معقولة فإنها غدا ستكون امرا عاديا, فمن كان يتصور مثلا قبل نحو مائتي سنة ان الصعود إلى القمر أمر ممكن التحقيق, وأمام هذا المارد العملاق المسمى (بثورة الجينات) فان قوى العولمة لن تقف بعيدة, بل ان هذه القوى ستسعى إلى تسريع وتيرة هذه الثورة واذكاء دورها, لانها ستتربح من ورائها الكثير, فمثلا لن نستبعد ظهور تجارة جديدة تسمى تجارة الجينات مثل تجارة الاعضاء تماما سواء بين البشر أو الحيوانات أو في مجال الزراعة ولن نستبعد ظهور مافيات تتكسب من وراء ذلك. نفس الأمر سوف يحدث مع قوى العولمة, فهذه القوى ستقود العالم إلى مجال التوسع في انتاج أسلحة الدمار الشامل البيولوجية. ومن ثم تصعد مكانة هذه الأسلحة في حروب المستقبل, ومن المتوقع ان تتراجع مكانة السلاح النووي لحساب هذا السلاح الجديد لعدة اعتبارات: 1 ـ ان استخدام السلاح النووي بعد تجربته ليس فيه اية سرية فالدولة التي تستخدمه تلجأ إلى ذلك علنا وهو ما يؤدي إلى حدوث ادانة دولية في مواجهة هذه الدولة, في حين يمكن شن حرب بيولوجية من دولة ضد دولة اخرى في سرية تامة عن طريق نشر ميكروب معين. 2 ـ الضمير العالمي بعد استخدام قنبلتي هيروشيما ونجازاكي ليس مستعدا للقبول بالمزيد من استخدام هذا السلاح في حين ان السلاح البيولوجي لم يستخدم بنفس القدر أو على نطاق واسع. ويمكن التعامل مع الامر على انه مجرد مرض متفشٍ وليس سلاحا بيولوجيا 3 ـ من السهل تهريب أو نقل فيروسات أو ميكروبات في حيز ضيق كزجاجة مثلا وذلك على عكس السلاح النووي. وهناك أسباب أخرى كثيرة يضيق المجال عن حصرها تجعل من (ثورة الجينات) سلاحا شديد التعقيد ومن هنا فان الشعوب العربية والإسلامية مدعوة للتركيز في هذا النوع من الابحاث واقتحام هذا العلم بقوة حماية لشعوبها ومجتمعاتها من هذا الخطر القادم, والاستفادة من كل النتائج الايجابية لهذا العلم, خاصة أن لدينا قاعدة بشرية من العلماء والباحثين الشبان الذين برزوا في هذا المجال الخصب منذ سنوات وهذا يتطلب الاهتمام بهم حتى تصبح لدينا القدرة على إنتاج السلاح البيولوجي الذي يردع اعداءنا وخاصة إسرائيل التي تهددنا بالخيار شمشون فنستطيع مواجهتها بل والقضاء عليها اذ لزم الأمر قبل ان تطلق أول صواريخها المحملة بالقنابل النووية نحو أية عاصمة عربية.