تتميز السياسة التركية بازدواجية كبيرة, فبقدر ما تبدي انفتاحا حيال الغرب بقدر ما تمارس تشددا حيال الدول العربية والاسلامية, وبالرغم من ان تركيا ومنذ تأسيس جمهوريتها العلمانية في عام 1923 حسمت خيارها لصالح الارتباط بالغرب ومؤسساته السياسية والامنية والعسكرية والاقتصادية, الا انها في اعقاب التغيرات الجارية بعد انهيار الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية وعملية التسوية العربية الاسرائيلية اتجهت الى احداث منطلقات جديدة في سياساتها حيال الدائرة الحضارية الاسلامية, وتقوم هذه المنطلقات بدور وظيفي في اطار السياسة الغربية الهادفة الى تفكيك الدائرة الحضارية الاسلامية الى وحدات مختلفة واستيعاب هذه الوحدات في استراتيجيتها العالمية, وقد تطلب هذا التحوير في السياسة التركية التقرب من العالم العربي والاسلامي تحت دوافع وشعارات تحمل في طياتها مضامين اقتصادية وسياسية وامنية ذات الطابع غربي الاصل. وانطلاقا من هذا المعطى الجديد في السياسة التركية بدأ المسئولون في انقرة يتحدثون عن ضرورة استلام بلدهم لمراكز قيادية في المنظمات الاسلامية الدولية, وحسب هؤلاء المسئولين فإن المناصب الثانوية لم تعد تناسب حجم دولتهم التي تطمح الى زعامة العالم الاسلامي, وعليه لم تجد الحكومة التركية حرجا في طلب رئاسة الامانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي التي انعقد مؤتمرها في كوالالمبور الاسبوع الماضي حيث خاضت تركيا العلمانية حملة سياسية ودبلوماسية لاقناع الدول العربية والاسلامية بتأييد طلبها لرئاسة الامانة العامة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أليس غريبا ان تطلب تركيا رئاسة الامانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي وهي الدولة العلمانية التي تماهت مع الغرب دستورا وسلوكا وابجدية سعيا وراء العضوية الاوروبية؟ بل أليس غريبا هذا الطلب في الوقت الذي تشن فيه الحكومة التركية واجهزة الحكم حربا منهجية ضد الاسلام والحركات الاسلامية في الداخل تحت شعار الحفاظ على المبادىء العلمانية للجمهورية, تلك المبادىء التي قامت في الاساس على استئصال الاسلام من تركيا ومن ذاكرة الاتراك وهويتهم؟ يقول المرشح التركي لمنصب الامانة العامة يشار ياكيش (سفير سابق لدى مصر والمملكة العربية السعودية) ان (بلدا يشكل المسلمون 90 بالمئة من سكانه لا يمكنه ان يتجاهل هويته الاسلامية, نريد ان نثبت ان بإمكان الاسلام, والعلمانية ان يتعايشا) . هكذا تركيا العلمانية بدستورها وخيارها الاستراتيجي الغربي وعضويتها في الحلف الاطلسي وتحالفها العسكري مع اسرائيل, امينة عامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي! يقول مصدر تركي مطلع انه عندما طلبت تركيا من ايران دعم ترشيحها لمنصب الامانة العامة للمؤتمر الاسلامي جاء الجواب الايراني على النحو التالي: (هذا يعني ان نسلم المنصب الى اسرائيل) وكي لا يكون الحديث من باب التشفي, وكي يكون في خدمة الدول الاسلامية ومنظماتها الدولية, فإن من حق هذه الدول ان تسأل: هل حقا تؤمن الحكومة التركية بإمكانية التعايش بين العلمانية والاسلام؟ قراءة بسيطة للواقع السياسي التركي ولمسيرة العلاقات التركية بالدول العربية والاسلامية ولعلاقة البنيان السياسي والدستوري في تركيا, تؤكد هشاشة الحجة التركية القائلة (بإمكانية التعايش بين العلمانية والاسلام) لا لأن ذلك غير ممكن, بل لأن تركيا ومنذ انضمامها الى منظمة المؤتمر الاسلامي عام 1976 (في اعقاب ازمة قبرص وبروز دور النفط في السياسة الدولية) عبرت باستمرار من تحفظاتها على تطبيق قرارات منظمة المؤتمر الاسلامي وعن عدم احترامها لهذه القرارات, لانها ببساطة لا تتلاءم ودستورها العلماني وخيارها السياسي في الارتباط بالغرب حضاريا فضلا عن ان الحكومة التركية وباشراف من الجيش تشن حربا استئصالية ضد الاسلام والحركات الاسلامية التي حاولت المصالحة بين العلمانية والاسلام واعادة تركيا الى هويتها الحضارية طبقا لحقائق التاريخ والجغرافية, بدءا من محاولة الرئيس عدنان مندريس (1950 ـ 1960) ومرورا بتجربة الرئيس الراحل تورجوت اوزال وانتهاء بمحاولة نجم الدين اربكان وقد وصلت الحرب ضد المظاهر الاسلامية في تركيا الى حد المغالاة والمزايدة فكيف يمكن فهم منع الحجاب واطلاق اللحى وغيرها من المظاهر التي تحظى باحترام من الدول الاوروبية التي تسعى تركيا الى الانضمام الى عضويتها. انه لمن الامور المتناقضة مجرد التفكير بوجود دولة مثل تركيا على رأس المنظمات الدولية الاسلامية, ان خطورة هذه المسألة تنبع من المهام التي تتطلع تركيا الى تحقيقها في اطار الدور الجديد لها في مجال العلاقات الدولية من داخل العالم الاسلامي نفسه, في وقت تتكثف فيه الحملة الغربية والصهيونية لتحديد المعالم النهائية للقضايا الاساسية في المنطقة. ربما كان الامر جيدا بالنسبة للعالم الاسلامي لو ان تركيا الاسلامية وفقا لحقائق التاريخ والجغرافيا تطلعت للقيام بدور في هذا العالم لمواجهة السياسات الغربية والصهيونية الهادفة الى تفكيكه واضعافه وامتصاص خيراته والسيطرة عليه, لو ان تركيا انطلقت من قناعة اسلامية بأن هويتها الاسلامية باتت مهددة بسبب نزوعها الغربي وانتمائها الاطلسي وحربها ضد تراثها الاسلامي. ان الامر لا يندرج في اطار المفارقات والتناقضات واحابيل الهوية فحسب, بل في اطار عملية سياسية اقتصادية امنية منظمة الهدف منها مستقبل العالم الاسلامي نفسه, وشعار تركيا (التعايش بين العلمانية والاسلام) ليس سوى تعبير عن ازدواجية تركيا التي لا مثيل لها في العالم واذا كانت تركيا السياسة والعلمانية مقتنعة بهذا الشعار فالأحرى بها ان تثبت هذا الشعار من الداخل عبر مصالحة مع الاسلام السياسي وهويتها الاسلامية, لا ان ترفع العلمانية شعارا لاستمرار حربها المنهجية ضد كل ما يمت بصلة اليهما. * كاتب سوري