ايهود باراك وبيل كلينتون سيكونان اسعد الناس في حالة إقدام الرئيس عرفات على اعلان احادي بقيام (الدولة الفلسطينية) . بل اخاطر فأقول ان واشنطن, وفق تواطؤ مسبق مع اسرائيل, ربما تستدرج عرفات عمدا الى فخ (اعلان الدولة) . هذا استنتاج مبني على قراءة بين سطور رواية اخبارية في صحيفة اسرائيلية كبرى. تقول (يديعوت احرونوت) في هذه الرواية ان الولايات المتحدة ستعترف بالدولة الفلسطينية (حتى لو اعلنت بصورة احادية اذا لم يتوصل الاسرائيليون والفلسطينيون الى اتفاق حول التسوية الدائمة) . ورغم ان الصحيفة لم تسند الرواية الى أي مصدر محدد الا انها قالت ان هذا (الموقف) تبلور في (نقاشات سرية جرت في الايام الاخيرة في البيت الأبيض) . والسؤال: هل هذه الرواية الاخبارية تحمل حقيقة ام انها تسريب امريكي ـ اسرائيلي لتهيئة الأذهان العربية؟ سواء كانت هذا او ذاك فان السؤال الاكبر هو: ما الذي يجعل رجال كلينتون يفكرون مجرد تفكير في الاعتراف بدولة فلسطينية يعلنها عرفات ضد رغبة اسرائيل, بل ونتيجة لوصول مفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين الى طريق مسدود؟ الاجابة على هذا السؤال الاكبر يتضمنها الجزء الاخير من هذه الرواية الاخبارية الغريبة. اذا وصل التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي الى طريق مسدود فعلا فاضطر عرفات الى (اعلان الدولة) فان اعتراف واشنطن بالدولة الجديدة ـ تقول الرواية ـ سوف يمكنها من (الضغط) على الطرفين للدخول في حوار بأسلوب جديد: دولة الى دولة. لكي نفهم هذا المنطق علينا ان نعيد قراءة (التكتيك) التفاوضي الذي يعتمده باراك في التعامل مع عرفات. ما يهدف باراك الى تحقيقه كأولوية هو تأجيل حسم قضايا المصير الفلسطينية الى الابد وهي: حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية, مصير المستوطنات اليهودية في الضفة وغزة, السيادة على مصادر المياه في الضفة, عودة نحو اربعة ملايين لاجيء ـ وأخيرا وليس اخرا مصير القدس. واذا أعدنا قراءة توجه الولايات المتحدة الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية فان مغزى هذا الاعتراف يتطابق تماما مع ما يريده باراك: مواصلة تفاوض بلا نهاية وبلا نتيجة حول قضايا المصير الفلسطينية مع فارق شكلي.. وهو ان يفاوض عرفات بصفة (رئيس دولة) عوضا عن مجرد رئيس (سلطة) للحكم الذاتي. والسؤال الاخير: هل عرفات نفسه شريك في اخراج هذه المسرحية؟! بسبب تفاديه المنهجي لاي صدام عنيف مع اسرائيل فان هذا السيناريو الامريكي يبدو ملائما لعرفات. لقد صار من الثابت والمعروف في مجرى السيرة السياسية للسيد عرفات من خلال معالجاته للصراع الفلسطيني الاسرائيلي حتى قبل (اوسلو) ان عرفات لا يتبنى الا رؤية ذاتية شخصية. ولذا فانه عندما يتحدث ضمن سياق (الدولة الفلسطينية) فان ما يعنيه ولا يعني سواه هو ابهة السلطة ومظاهرها ومن بينها لقب (رئيس الدولة) والعلم الوطني. هو فيما يبدو يكتفي بمظهر (السلطة) وليس بجوهر الدولة الوطنية ذات السيادة والاستقلال الكامل والسيطرة على الموارد. وإلا فماذا يعني عرفات على وجه الدقة عندما يصيح معلنا من حين لآخر انه مصمم على اعلان قيام الدولة الفلسطينية اذا انتهى المسار التفاوضي مع الاسرائيليين الى فشل نهائي؟ فالرئيس عرفات يكتفي بهذا الاعلان المعمم الغامض متفاديا تماما ان يشرح لشعبه كيف يعتزم مع اعلان قيام (الدولة) معالجة قضايا المصير الفلسطيني.. من قضية عودة اللاجئين الى قضية القدس عبورا بقضية تصفية المستوطنات اليهودية في الارض الفلسطينية؟ لكن بوسعنا ان نستنتج. ففشل التفاوض كأسلوب للتسوية يجب ان يعني لدى منظمات التحرر الوطني بصورة تلقائية اللجوء الى اسلوب العنف بأشكاله المتنوعة ومن بينها الكفاح المسلح. واذا كان عرفات قد نبذ اسلوب العنف نهائيا كخيار نضالي بديل فان معنى (اعلان الدولة) هو في الحقيقة استئناف نهج التفاوض السلبي حول القضايا المصيرية تحت اسم آخر: (الدولة الفلسطينية) عوضا عن (سلطة الحكم الذاتي) . وهو في هذه الحالة تفاوض يجب ان يكون من المنظور الامريكي والاسرائيلي سفسطة كلامية بلا نهاية بينما يعتبر عرفات انه أنجز رسالته النضالية بحصوله على لقب (رئيس دولة) .