إذا أردت أن تستعيد شيئا من ذاكرة الماضي حيث يلوح وجه الفوهرر الألماني أدولف هتلر بوضوح ... فما عليك سوى أن تصل إلى ميدان (كروبكا) وسط مدينة هانوفر عاصمة مقاطعة سكسونيا السفلى شمال ألمانيا, ومن هناك ستقودك الخطوط الحمراء المتصلة، والمرسومة على الأرض إلى أهم نقاط ومكاتب الخدمات الرسمية والأماكن السياحية ماشيا دون حاجة إلى سيارة. أحد هذه الخطوط يقودك مباشرة إلى بحيرة (ماشيه) هذه البحيرة الضخمة التي تخترق قلب المدينة كشريان الحياة الذي يغادر من القلب إلى القلب, أو كخط العمر الذي يتوسط كف يدك دون أن تشعر به. هكذا هي بعض المعالم تنقش نفسها على خريطة الجغرافيا, وتترك للتاريخ كل الفرص في أن يكتبها ويحفظها بطريقته الخاصة. في ألمانيا يقول التاريخ أشياء لا يمكننا الاحاطة بها لكنها وحدها الجغرافيا صانعة الأحداث ومحركها الأساسي, فحينما مشت بك قدماك في الجغرافيا الألمانية, في المدن والشوارع, فإن تجوالك طال أم قصر, سيضعك في مواجهة أطياف بشرية متعددة جاءت هي الأخرى من مناخات ومدن وأعراق يصل تعدادها في بعض المناطق الألمانية إلى 80 جنسية!! كل جنسية تمثل قضية سياسية, وكما قال ديجول يوما: لا سياسة بلا خرائط. موزاييك الأعراق والثقافات يتفاعل على أرض الجرمان خالقا مشكلة تبحثها أكبر المنتديات السياسية والفكرية, انها خلل التركيبة السكانية التي ترعب الألمان وتثير ضجيج مناقشاتهم حيث يشكل الأجانب عندهم ما بين 8- 9%!! فماذا نسمي خلل التركيبة السكانية عندنا إذن وهو يقارب الـ 85% إن لم يزد؟! خليط الأعراق والجنسيات في ألمانيا يتفاوت بين طلاب العلم الأجانب وطلاب اللجوء السياسي, المهاجرين والعمال والعاطلين, وطالما كنت عاطلا فإن قانون الضمان الاجتماعي يتيح لك في ظل شروط معينة أن تحصل على سكن مجاني ومصاريف اعاشة لك ولعائلتك لحين حصولك على عمل!! عند هذه النقطة سيقفز وجه هتلر من ثنايا التاريخ عند بحيرة (ماشيه) ليخبرك بأنه وفي فترة الأربعينيات, حينما تكدست أعداد العاطلين في ألمانيا, خطر على بال (الفوهرر) أن يحل المشكلة بطريقته, فجمع ما قرابته 15 ألف رجل عاطل ليشقوا بحيرة اصطناعية ضخمة تغذيها أنابيب مياه عملاقة تأتي من أنهار مجاورة, سميت ببحيرة (ماشيه) وسط مدينة هانوفر, حيث تعد اليوم أحد أهم وأجمل معالم المدينة, فعلى ضفافها يتسكع صنوف من البشر: شباب, عجائز, فتيات, أطفال, ألمان, عرب, مراهقون, عشاق, مقعدون..... بحيرة ضخمة جميلة بامتداد عدة كيلو مترات طولا وعرضا, تحفها غابات وأرصفة وجسور ومعالم سياحية أخرى, بناها 15 ألف عاطل خلال (120) يوما فقط!! لنعرف بأننا يمكننا أن نلتقط من خلال أسوأ تجارب البشر وقفات ودروسا.. فتجربة هتلر ليست نازية وارهابا فقط, والعاطلون ليسوا جيوشا من الشحاذين فقط. يمكننا دائما أن نتخيل بأن للحياة ضفة أخرى أكثر جمالا واتساعا من الضفة التي نقف عندها, وما علينا سوى أن نمد أبصارنا وقلوبنا للأمام وليس لما تحت أقدامنا فقط.