يأتي سقوط اقتراح قانون تقديم انتخابات الكنيست الاسرائيلي الذي تقدم به تجمع الليكود, بعد خمسة عشر شهرا ونيف من انتخابه ليتأكد لنا وبالملموس ان ايهود باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية قد نجح في شراء حركة شاس اليمينية الدينية بقيادة عوفاديا يوسف, مثلما فعل وبالذكاء ذاته حينما منحها من تحت الطاولة سبعين مليون دولار كمنحة لمدارسها الدينية. وانه بذلك قد ضرب اكثر من عصفور في حجر واحد فهو من جهة قد غيب حزب الليكود اليميني بقيادة ارئيل شارون عن ساحة الفعل والتأثير السياسي على المستوى الداخلي في اسرائيل واستفاد من اصوات العرب الممثلين في الكنيست الاسرائيلي والذين يقدر عددهم بعشرة مقاعد, الذين يرون في عدم الرغبة على تقديم الانتخابات لانهم يعتقدون ان هذا التقديم قد يجلب لهم حكومة يمينية على طبق من ذهب وبهذا يكونون قد خسروا الرهان لكل ما خططوا له منذ تولي العمل الحكومة بقيادة باراك, والذي يتمثل في محاولة استصدار قانون مساواة العرب باليهود والعودة الى القرى المهجورة التي رحل ابناؤها قسرا عنها في عام 1948 وادخال الثقافة العربية بالمناهج الرسمية التي تدرس داخل اسرائيل بالاضافة الى مساواة البلديات العربية بالبلديات اليهودية, من حيث الخدمات وما الى ذلك. اما من الجهة الثانية فيكون بهذا الانتصار قد اشهر عصاه الغليظة في وجه الاحزاب الفتية والصغيرة, التي تجاوبت مع اقتراح حزب الليكود, كحزب بعليا اسرائيل الممثل بستة اعضاء في الكنيست بقيادة ناتان شرانسكي والذي يمثل المستوطنين الروس. والمفدال الحزب الديني القومي بقيادة اسحاق ليفي, والممثل بخمسة اعضاء في الكنيست والذي يعتبر ظهيرا لليكود بل يقع في طروحاته السياسية على يمين ذلك الحزب ويكون بهذه اللعبة ايضا قد اضعف اليسار وابقاه تحت السيطرة وهو خارج الائتلاف الحكومي وما حصل مع يوسي ساريد ممثل ميرتس اليساري, مثل صارخ على مدى القدرة والدهاء اللذين يتحلى بهما ايهود باراك الذي يرى ان الهدف النهائي في برنامجه استكمال برنامج التسوية المطروح على كل المسارات وبالأخص على المسار الفلسطيني الذي يشهد الكثير من العثرات, وبهذا يكون قد امن لنفسه البقاء على مدار الفترة الدستورية بشكل كامل دون ان يؤثر على تكتيكاته السياسية اي من الاحزاب بما في ذلك حزب الليكود صاحب الـ 19 مقعدا في الكنيست, وحقق برنامجه الذي انتخب من اجله دون ان يقوى اي من التحالفات الحزبية الداخلية على مواجهته خاصة وانها لا تملك ارضية موحدة, او رؤية واحدة منسجمة لمواجهة سياسة باراك الداخلية والخارجية مع تذكيرهم بأنه دخل الانتخابات على مستوى رئاسة الحكومة والكنيست من خلال قائمة اسرائىل واحدة التي تعني بأنه هو وتحالفه الممثل للوحدة الوطنية دون غيره. وبذلك يكون باراك قد تحلل من تعهداته التي قطعها على نفسه على مستوى المحاصصة التي كانت مطروحة فهو بذلك يكون قد هيىء لنفسه مساحة جغرافية اوسع لممارسة سياساته وادار ظهره الى كل المجموعات والفئات والتيارات الايديولوجية الذي كان محكوما لها بجملة من التعهدات والمواثيق وانتقل من حكومة حوار ترتكز الى المساحة الحزبية الواسعة الى حكومة قادرة على ممارسة المؤامرة والدسائس والانقلاب على تحالفها وتملص من كل ما كان ينادي به حتى ما يسمى بـ (الاجماع القومي الجديد) لكنه بالمقابل لن يتخلى عن الاستفادة من (نافذة الفرص) التي ستنفتح امامه لتحقيق الامن لاسرائيل. هذا في ما يخص الداخل الاسرائيلي اما في ما يخص قضية التسوية مع الفلسطينيين والغير مفصول مطلقا عن السياسات الداخلية, التي ترتكز لها بالاساس فقد اعاد باراك الامل بشكل كبير لعقد القمة الثلاثية التي طالما حلمت بها كثيرا وسعت اليها مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية في عقد قمة فلسطينية ـ اسرائيلية في واشنطن تقوم على غرار كامب ديفيد, تعطي اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الامريكية, دفعا قويا على المستوى الداخلي وبما يحقق دفعة قوية اخرى في العلاقة الامريكية ـ الاسرائيلية, وتحقق له مصالحه في تجاوز الكثير من القضايا العالقة مثل قضية القدس واللاجئين ودفع ياسر عرفات الى اعلان الدولة الفلسطينية كأمر واقع على الاراضي التي انسحبت عنها اسرائىل اما في ما يخص الانسحاب من 27% في محيط نهر الاردن, وكل الخطابات والتعهدات التي كان باراك يطلقها ليست سوى خطابات وهمية لانه يدرك ان هذه الارض ستعوض من خلال المشاريع المشتركة بين السلطة واسرائيل التي ستقام في منطقة اريحا والتي نصت عليها الكثير من الاتفاقيات الثنائية. خاصة بعد ان اصبح الرئيس الامريكي بيل كلينتون, يبدي عدم اهتمامه في هذه القضية واصبحت قضية ثانوية من وجهة نظره على المدى المنظور, لأن ثمة قضايا اهم وملحة اكثر على جدول اعماله واذا ما تم الرفض الفلسطيني لهذه الاتفاقية المزمع التوقيع عليها في واشنطن من خلال اللقاء الثلاثي المستندة اساسا الى الرؤية الاسرائيلية التي حاولت اسرائىل وعلى مدى سنوات التفاوض التسع فرضها. فسيصبح عرفات ومن معه مجرد ارهابيين ومعطلين للمسيرة السلمية في الشرق الاوسط. وبهذا يكون باراك قد اوقع بالفلسطينيين مثلما اوقع ببعض الاتجاهات السياسية الداخلية في اسرائيل ويصبح الفلسطينيون بلا خيارات سوى القبول بالأمر الواقع ومن ثم نقل الصراع بشكل ميكانيكي الى الداخل الفلسطيني, بعد ان توقعت الكثير من الدوائر السياسية بانبعاث انتفاضة جديدة داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة. وستكون الانتفاضة المقبلة بكل تأكيد موجهة الى السلطة الفلسطينية وانها ستؤسس الى حرب فلسطينية ـ فلسطينية, سقفها مطلبي ليس إلا.