عزيزي تحية طيبة تليق بمقامك الرفيع وبعد... ليس مهما أن تعرف اسمي ونسبي, فأسماؤنا كلها متشابهة واللقب واحد ينتهي بكلمة لاجىء. وليس مهما ايضا ان تحدد عنواني, فكل عناويننا المؤقتة واحدة, لأنها تقع خارج ارضنا ولا تحتمل بيوتها اية ارقام ولا شوارعها اية اسماء. يستوي فيها من استوطن المخيم او حواليه, ومن بقي داخل الوطن او تلقفته منافي الشتات اما عنواننا الدائم فقد بقي محفورا على جذر شجرة بقيت تحرس الارض وتضرب عميقا فيها, او في نبتة صبار تخز اشواكها كل من اراد اقتلاعها. او تدل عليه عظام الآباء والاجداد التي رفضت الرحيل, وبقيت تؤنس بعضها وتتواصل ارحامها حتى يعود اليها الابناء والاحفاد الذين طال بهم الغياب. وكلنا ايضا نعرفك رأيناك او لم نلتقيك. اخترناك او لم نستشر فيك. فبيننا وبينك عقد اقوى من المكتوب حملت بموجبه مسئولية الدفاع عن قضيتنا التي لا شك تعرفها وتعرف تفاصيلها. وتعهدت بموجبه ان تعيد الينا حقوقنا كما نصت عليها بنود العقد الذي وقعته معنا منظمة التحرير حين اخذت منا تفويضها بالتمثيل. والعقد ـ كما تقول القاعدة الفقهية ـ شريعة المتعاقدين. إما الوفاء بشروطه او فسخه, وايقاع الجزاء على من اخل بشروطه. ففي مخيماتنا في الشتات غرسنا نبتة الثورة, ورويناها بدمائنا. واوقدنا شعلتها واطعمناها من ضلوعنا. وحين كان الخطر يحدق بها او يغشاها, كانت صدورنا هي المتاريس التي تحميها. ولم تكن مخيمات الداخل اقل وفاء او تضحيات فحين ضاق الخناق على الثورة في الخارج ولم تجد مكانا يؤويها, ويضمن لها ولقضيتها الدوام جاءتها النجدة من الداخل, فاشتعلت نار الانتفاضة وكأن الثورة هاجرت عكسية من الخارج الى الداخل فكان المخيم مرة اخرى حضنها الدافىء الحنون. وكلا الحالتين لم تغيبا عنك, ولم تغب عنهما حتى جاءت السلطة الوطنية ثمرة لهما, واخذت موقعك في صفوفها, وتوليت مسئوليتك التفاوضية من خلالها. سيفاوضونك على التوطين فلا تجادلهم. ذلك ان شعبك رفضه قبل ما يقرب من خمسين عاما, ولو ارتضى لنفسه وطنا بديلا, وارضا غير ارضه لما انتظر كل هذه المدة, ولما احتفظ بصفة اللجوء, واحتمل _عذاباته كل هذي السنين. سيقولون لك ليس في الارض متسع لكم. فقل لهم ان كان لابد لطرف ان يعترض على وجود الآخر فنحن من يعترض. لأننا نحن اصحاب الارض وهم الطارئون. ومع ذلك فإن مقولتهم تسقط حين نعلم ان 80% من مساحة الارض التي تشغلها اسرائيل لا يعيش فيها اكثر من 20% من سكانها. اي ان اغلبية الارض شبه خالية من السكان. وهي تتسع لمالكيها الحقيقيين الاقدر على اعمارها واستثمارها, وهم اولى بها ـ لولا النظرة العنصرية التي يرى بها قادة اسرائيل الآخرين ـ من اولئك الاغراب الذين تستوردهم حكومة اسرائيل كبضاعة بشرية من اصقاع روسيا او أدغال اثيوبيا. وسيساومونك على التعويض فلا تقبل به. ذلك ان الوطن ليس قتيلا حتى نقبل دية فيه. فارضنا بكل نبض الحياة فيها ما زالت ماثلة امام اعيننا. سيراهنون على الاوضاع الاقتصادية المتردية للاجئين. فقل لهم اننا نملك من الفقر ما يكفينا للصبر سنوات وسنوات. وما نهبوه من خيرات ارضنا على مدى خمسين عاما ـ وحقنا في استرداده لانقاش فيه ـ يكفي لتحسين احوالنا اضعاف ما يعرضون. وهذا هو التعويض الذي نسألهم عنه, ونرجو ان يكون العنوان الوحيد الذي تخوض فيه في موضوع التعويض. نعلم ان قوى وسلطات في المنطقة ممن يستضيفون اللاجئين سيسيل لعابهم لأموال التعويضات وسيفلسفون مواقفهم باستحالة حق العودة فلماذا لا نقبل التعويضات! ولهؤلاء نقول ان قضيتنا ليست للبيع ولا للتكسب, ومن اراد التجارة فأرضنا ليست معروضة للمزاد. وهذا الموقف نحملك مسئولية ابلاغه للاشقاء والاصدقاء قبل ابلاغه للاعداء. ونعلم ايضا ان حق العودة ربما كان غير متاح الآن. ولكن ما يجب على كل الاطراف معرفته ايضا هو ان التفريط في حق العودة غير مباح ابدا. وفي وعيك لهذه المسألة وتمسكك بها, كيف فصل الخطاب. بل ان موقفك من هذه القضية هو الذي يحدد موقفنا منك. فهي البند الاساسي في العقد القائم بيننا. والاخلال بها يبطل صحة هذا العقد, ويمس بقاعدة الوحدة الوطنية التي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية, ويفتح الطريق امام القوى المتربصة بوحدة شعبنا لأن تعبث بهذه الوحدة, وتطعن في شرعية التمثيل. فلنوصد هذا الباب في وجه هؤلاء المتربصين. ونظن ان مغلاق الباب هو الآن بين يديك. هذه رسالتنا اليك... ونرجو ان تصلك قبل فوات الأوان. وتقبل اصدق تحياتنا وتمنياتنا بالتوفيق