وهكذا بحلول اليوم الثلاثين من يونيو المنصرم اكمل النظام السوداني عامه الحادي عشر. وسواء اتفقت قطاعات السودانيين او اختلفت في تقييم هذه الحقبة من تاريخ السودان المعاصر فإن مما يلفت انتباه اي مراقب موضوعي متجرد، ان النظام نجح في تحركه الخارجي واحبط كل مسعى لفرض عزلة كاملة عليه. احدث صورة هي ذلك الاجماع في مجلس الامن الدولي الذي تبلور خلال الاسابيع الاخيرة للمطالبة بالغاء عقوبات كان قد فرضها المجلس على السودان قبل اربع سنوات. العقوبات في حد ذاتها كانت رمزية اكثر منها عقوبات حقيقية: تحجيم تحرك كبار المسئولين السودانيين خارج البلاد.. التضييق على الخطوط الجوية السودانية ودعوة دول العالم للامتناع عن استقبال طائراتها ... الخ, ومع ذلك فإن العقوبات لم تطبق على الصعيد العملي, ومع ذلك فإن الغاءها سيكون بمثابة رسالة دولية تؤكد على تبييض صفحة النظام السوداني ونزع ما تبقى من صفة ارهابية عنه. غير ان الاهم هو صدور قرار الالغاء سيكون ايضا لطمة للولايات المتحدة.. الدول الوحيدة ربما في العالم كله التي احتفظت بعداء ضد السودان. مصر واثيوبيا هما الدولتان اللتان تتقدمان مجموعات الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية وحركة عدم الانحياز في المطالبة بالغاء العقوبات, والولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تقف ضد الالغاء. حتى ما قبل عامين كانت كل من مصر واثيوبيا من الد اعداء النظام السوداني في الجوار الافريقي, والآن فإن مصر من اقوى داعمي حكومة الرئيس عمر البشير, اما اثيوبيا فقد عقدت اتفاق تعاون استراتيجياً مع الخرطوم لايزال يقوى يوما بعد يوم. ومصر واثيوبيا هما اثنتان فقط من بين تسع دول تجاور السودان, وكلاها دون استثناء صار لها علاقات صداقة او على الاقل لا عدوانية مع النظام السوداني, ليبيا وتشاد وافريقيا الوسطى وكينيا ظلت علاقاتها على الدوام لمدى الاحدى عشرة سنة الاخيرة جيدة مع الخرطوم, اما اريتريا فقد دخلت في تصالح مع النظام العام الماضي فاتحة معه صفحة جديدة. وجاءت الهزيمة الاريترية الساحقة في الحرب مع اثيوبيا في مايو لتجعل اسمرا منشغلة تماما بذاتها من خلال تداعيات الهزيمة لمدى سنين مقبلة, وأوغندا وقعت مع السودان اتفاقية امنية بعد ان انهكتها حركات تمرد ناشطة على الحدود وحرب واسعة النطاق في منطقة البحيرات العظمى ونتيجة لتفاعلات الحرب التي تدعم فيها القوات الأوغندية حركة تمرد كونغولية عقدت حكومة الكونغو برئاسة رولان كابيلا تحالفا مع الخرطوم.. الامر الذي جعل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني يعجل بطلب عقد اتفاق امني مع الحكومة السودانية. وعلى الصعيد الارحب نجحت الحكومة السودانية في كسر الطوق الخارجي الذي سعت لفرضه الولايات المتحدة عن طريق خطة للتحرك الدبلوماسي صوب اوروبا من ناحية وآسيا من ناحية اخرى, وسرعان ما تحسنت علاقات السودان مع دول الاتحاد الاوروبي.. ومع الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا.. وايضا مع كندا ولولا ذلك لما قامت لمشروع النفط السوداني قائمة, فشركتا النفط الوطنيتان في الصين وماليزيا ومعهما شركة نفط كندية خاصة هي جمعيات شريك مع السودان في عمليات انتاجه النفطي. لقد حاولت ان استذكر في ذهني ما اذا كانت دول يمكن ان توصف حالة العلاقات بينها وبين النظام السوداني بأنها حالة عداء ثابت.. فلم اجد إلا دولة واحدة فقط: الولايات المتحدة الامريكية ولست من الذين يعتقدون ان هذا العداء الامريكي الثابت ناشىء من ان النظام ينتهج نهجا اسلاميا راديكاليا, الارجح في تقديري ان السبب الاساسي هو ان السودان ينهج في ساحة العلاقات الدولية نهجا استقلاليا.