اعلن وزير الثقافة المصري (فاروق حسني) في الاسبوع الماضي, انه قرر تحويل (سجن القلعة) الى مزار ثقافي ضمن خطة تطوير المناطق الاثرية, ومنها قلعة صلاح الدين الايوبي التي يقع السجن في احدى زواياها. وقال الوزير ان زنازين السجن ستتحول الى قاعات للعرض, تستخدم فيها احدث تقنيات العرض المحتفى, بما في ذلك اشعة الليزر. ولابد ان الخبر قد اسعد آلافا من السياسيين والمثقفين والمناضلين المصريين والعرب الذي اتيح لهم قضاء شهور ـ او سنوات ـ بين جدران هذا السجن, او الذين لم يدخلوه, ولكنهم قرأوا عنه فيما كتبه هؤلاء من ذكريات ومذكرات وفيما استلهموه مما جرى لهم فيه, من قصص وروايات وقصائد! ولعلي كنت اسعد الناس بالخبر, فذات ليلة منذ خمسة وثلاثين عاما, كنت معلقا كالذبيحة الى مشجب حديدي مثبت على حائط الزنزانة رقم 3, وفي لحظة ما بين الاغماء والنوم, وفي هلاوس العذاب, حلمت بأن الدنيا قد تغيرت, وبأن الزمن الذي لا يعتقل فيه انسان ـ او يعذب ـ بسبب رأيه قد جاء, وبأن سجون الرأي والفكر قد اغلقت وتحولت الى متاحف, وبأنني قد اصبحت مرشدا سياحيا, اصحب وفدا من الفتيات الجميلات, الى متحف سجن القلعة, اروي لهن تاريخه, واتفقد معهن الزنازين التي سكنتها, واحدثهن عما جرى لي ولغيري من جيل الأباء وجيل الانداد وجيل الابناء بين جدرانه من اهوال, وما اودعناه فيه من صرخات واحزان وضحكات واحلام. ولأن الفرح لا يتحقق الا بفادح الألم, فقد عدت الى السجن نفسه عدة مرات بعد ذلك, لأجده لا يزال سجنا, ولم يصبح بعد متحفا. تغيرت العهود, وتغيرت السياسات, وتغير وزراء الداخلية, وهو قائم على حاله.. يدخله أناس من كل ملة: مناضلون وجواسيس, يساريون متشددون, ويمينيون متطرفون, وزراء سابقون, وقادة سجون, معذبون قدماء.. وجلادون معاصرون.. بعد اسابيع من مغادرتي سجن القلعة, وقعت هزيمة 1967, وسقطت مجموعة المشير (عبدالحكيم عامر) واعلن (عبدالناصر) في خطاب له سقوط دولة المخابرات, وبأن سيادة القانون لابد وان تعلو فوق ارادات الافراد ونفوذ مراكز القوى, وان تصون حقوق الجميع, فصفقت طربا, وانبسطت في قلبي تقطيبة لابد وانها علت مسطحة في واحدة من ليالي العذاب. وبعد شهور من ذلك وجدت نفسي مرة اخرى ادخل سجن القلعة.. في هذه المرة وجدت معتقلين من طراز اخر غير الذين زاملتهم في اول مرة هم مجموعة (مراكز القوى) المنسوبة للمشير (عبدالحكيم عامر) وكانوا يحاكمون آنذاك امام محكمة مخصوصة يرأسها السيد (حسين الشافعي) عضو مجلس قيادة الثورة بتهمة الضلوع في مؤامرة للاستيلاء على قيادة القوات المسلحة وكانت مراكز القوي تلك تضم خليطا غريبا من البشر, يجمع بين الوزراء والندماء, وبين اعضاء مجلس الامة واعضاء مجالس الانس, وبين مديري المكاتب ومديري سهرات المزاج, كان من بينهم (شمس بدران) وزير الحربية في عامي 1966 و1967 الذي قيل ان عبدالناصر وعامر قد اتفقا معا على تعيينه رئيسا للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة بعد انسحابهما من الحياة العامة, لولا ان (عبدالناصر) عدل عن ذلك في اللحظة الاخيرة ورشح زكريا محيي الدين لخلافته. بدا لي (شمس بدران) عندما رأيته عبر ثقب في باب الزنزانة يعبر في الممر ـ اشبه بجنرال بروسي بقامته الطويلة وجسمه العملاق وملامحه الصارمة, فتشككت فيما قرأته عن انه لم يكن يعرف شيئا في العلوم العسكرية, وانه وصل الى مكانته لانه كان مكلفا من الرئيس والمشير بتأمين القوات المسلحة حتى لا يغامر احد افرادها بالقيام بانقلاب وفيما بعد عرفت من مذكرات الفريق اول محمد فوزي انه عين وزيرا للحربية من باب سد الذرائع الدستورية لان تعيين المشير عامر في هذا المنصب كان يعني من الناحية الدستورية النظرية خضوعه لرئاسة رئيس الوزراء الذي كان يوما ما مديرا لمكتبه, وخضوعه للمسئولية امام مجلس الشعب, وهو ما لا يليق بمكانة الرجل الثاني في النظام, وكان الحل الذي توصل اليه ترزية الدساتير والقوانين, هو تعيين المشير عامر نائبا للقائد الاعلى للقوات المسلحة, الذي هو رئيس الجمهورية, وبذلك لا يكون عضوا بمجلس الوزراء مرؤسا لمدير مكتبه السابق, ولا يكون مسئولا امام مجلس الشعب لان الرئيس ليس مسئولا امام ممثلي الامة, وعلى عكس المعمول به في كل النظم الدستورية التي تربط بين السلطة والمسئولين, فقد فصل هؤلاء الترزية بين الاثنين فاصبح المشير عامر يتولى كل السلطة في القوات المسلحة, وجيء بشمس بدران, وزيرا للحربية, لكي يحل محله في تحمل المسئولية امام البرلمان عن سلطة لم يكن يمارس منها شيئا. وكان شمس بدران يعامل معاملة خاصة كما يليق بأحد اركان النظام وبرجل كان محتملا ان يكون خليفة (عبدالناصر) وربما لو كان قد ذكروا اسمه في خطاب التنحي الشهير, لما قامت مظاهرات 9و10 يونيو اذ كان معنى ذلك ان القوات المسلحة قد عادت لتحكم مباشرة وكان واردا ان يجمع (شمس بدران) بقاياها الهاربة من معارك الايام الستة لتأمين العاصمة والحيلولة دون قيام مظاهرات تعترض على القرار, او لاخراج مظاهرات تهتف (بالروح.. بالدم.. نفديك يا شمس (فالذين خرجوا في 9و10 يونيو 1967, يطالبون ببقاء (عبدالناصر) لم يفعلوا ذلك فحسب حبا فيه ولكنهم فعلوه كذلك كراهية في الرجل الذي رشحه لخلافته, وهو (زكريا محيي الدين) , اذ كان رئيسا للوزراء عام 1965, وكان من انصار ما سماه بالسياسة الاقتصادية الواقعية لذلك رفع سعر الارز الذي كان غذاء شعبيا من سبعة الى تسعة قروش, ولابد ان الناس توقعوا ان توليه للرئاسة خلفا لعبدالناصر سوف ينتهي برفع السعر الى عشرة قروش فدفعهم هذا للخروج الى الشارع حرصا على ذلك القرش الذي كان عزيزا آنذاك. كان للمعتقل (شمس بدران) مزايا خاصة لعل احدا ممن دخلوا سجن القلعة لم يلقها من قبل او من بعد, فقد عين له مخبر خاص لخدمته, هو عم سيد خضير وكان مخبرا مخضرما ورثته اجهزة الامن السياسي لثورة يوليو, عن جهاز الامن السياسي في العهد الملكي, وفي العهدين, كان ينفذ التعليمات التي يصدرها اليه رؤساؤه ولا يخالفها قط, يبتسم حسب التعليمات يفتح الباب حين يؤمر, ويغلقه علينا حين يؤمر يسمح لنا بالخروج الى دورة المياه حين يريد, ويتجاهل طلباتنا حين يريد.. وذات ليلة كان التحقيق يجري في الزنزانة المجاورة لزنزانتي, مصحوبا اصدقاء لي من زنازينهم الى غرفة التحقيق: كان الواحد منهم يستدعى وقد عاد تماما كما ولدته امه, وقد عصبوا عينيه بمنديل حتى لا يعرف أين يتجه, ويلهبوا ظهره بعصى غليظة, فيندفع جاريا ويتعثر احيانا او يصطدم بحائط وكنت ادهش لاهتمام كل واحد منهم بأن يغطي عورته بكفيه في حومة هذا العذاب, وبعد قليل تتصاعد صرخاتهم من غرفة التحقيق فيزداد عذابي ويهبط حجابي الحاجز, اشفاقا عليهم وعلى نفسي. وحين يضيق المحقق او يرغب في الراحة او تأتيه مكالمة سرية كان يأمر المجندين باخراج المتهم ومواصلة تعذيبه في الساحة المواجهة لزنزانتي. انذاك, كنت اسمع بأذني محاولة كل منهم لكي يلقي بهذا العبء على غيره وكان عم (سيد خضير) يقول: اضرب انت يا زغلول.. انا علي ذنوب كفاية.. وكان يعتني عناية خاصة بسرب من العصافير يحوم حول باحة المعتقل المكشوفة في الصباح الباكر وعند العصر فيجمع ما تبقى من الخبز ويعجنه في ماء ويضعه في اطباق على جانبي الباحة فتهبط العصافير لتأكل منه وكان يفعل ذلك مع اسرة من القطط استوطنت المعتقل وتناسلت فيه يجمع لها بقايا الطعام ويضعه في مكان معين ويوصي زملاءه بأن يفعلوا ذلك في ايام راحته من العمل.. وكانوا جميعا يتسابقون في رعاية القطط والعصافير, ذلك ايضا ما كان يفعله الجلادون في المعتقلات النازية, وهو ما فسره كما قرأت مرة احد علماء النفس قائلا ان الحنو على الآخر, والتعاطف مع الضعيف, طبيعة في الانسان, لا يستطيع منهافرارا وان الذين تجبرهم ظروف حياتهم او طبيعة اعمالهم على ممارسة القسوة ضد الآخرين يعوضون ذلك بالمبالغة على العطف على الحيوانات والطيور.. كما تمنيت ايامها ان اكون عصفورا او قطا! ولعل شمس بدران كان المعتقل الوحيد الذي سمح له بأن يضع في زنزانته جهاز تلفزيون لم يكن مسموحا لغيره, حتى من المتهمين معه في القضية بمشاهدته, وكنت في طريقي الى الحمام, اختلس نظرة الى زنزانته فيدهشني ان جدرانها مغطاة بورق مزخرف, وبها ارفف كثيرة, تحمل اطعمة وصناديق ورقية لا شك انها كانت تحتوي على ما لذ وطاب مما كنت وغيري من المعتقلين من ابناء الشعب نتشهاه في هذا المكان الغريب الذي حرمنا فيه من اطعمة الامهات ورعاية الزوجات وحنو الدنيا, وكان في ليالي القيظ الشديد التي تغلق فيها علينا ابواب الزنازين وتزحف اسراب البق تمص دماءنا يمضي الليل جالسا على مقعد للبلاج في الباحة المكشوفة يستمع الى جهاز راديو, كان الوحيد كذلك المسموح له باستخدامه وعم سيد خضير يجلس كالجرو على مقربة منه, يصنع له بين الحين والآخر كوبا من الشاي او اللمونادة المثلجة, اذ كانت ادارة المعتقل تشتري يوميا لوحين من الثلج تخصصهما لاستخدامه ولحسابها! وكان يتكرم علينا في بعض الاحيان, بإدارة مؤشر الراديو الى محطة لندن, لكي نستمع معه إلى الأخبار, فإذا كان قائد المعتقل متشدداً في تنفيذ التعليمات, رجاه ان يخفض صوته حتى لا نستمع الى الاخبار اذ كنا محرومين من قراءة الصحف ومن الاستماع الى الاذاعة ولم نكن نعرف شيئا عما يجري حولنا في العالم.. وبالمخالفة لكل قوانين السجون وتقاليدها فقد كان مسموحا لـ (شمس بدران) ان يلتقي بزوجته وان ينفرد بها في حجرة المفتش المسئول عن المعتقل وهو العقيد حسن ابو باشا الذي اصبح فيما بعد وزيرا للداخلية, اذ لم يكن قد مضى على زواج شمس بدران سوى اربعة اعوام حين وقعت الهزيمة وتحول من وزير كان مرشحا لأن يكون رئيسا الى معتقل كان مرشحا للحكم عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة, وكانت الزوجة تصطحب معها ابنتها وهي طفلة صغيرة جميلة لم تكن تتعدى الثالثة, وبعد قليل تخرج الطفلة الى باحة المعتقل, ليغلق باب غرفة المفتش على الزوجين ويصبح من واجب الضابط صاحب النوبة ان يسامرها وان يلهيها عن غياب امها وتغلق علينا الزنازين في قيظ الصيف ونحرم من الذهاب الى دورة المياه حتى تنتهي حالة الطوارىء.. وفي نوبة عطف على القطط والعصافير والمعتقلين او موجة احتجاج على هذه المخالفة الصارخة لتقاليد وادبيات السجون استجاب عم سيد خضير لرجائي وفتح لي باب الزنزانة ذات قيلولة قائظة الحرارة على الرغم من ان خطر التجوال كان مفروضا بسبب الخلوة الشرعية في غرفة المفتش, واشترط علي ألا اخرج منها, وان يظل الباب مواربا.. ونفذت تعليماته بدقة وبعد قليل فوجئت بطفلة صغيرة كالعصفور, تدفع الباب وتدخل علي رقص قلبي فرحا استقبلتها بحفاوة سألتها عن اسمها فقالت (هبة) وسألتها عن اسم ابيها فقالت: شمس بدران, وسألتني عن اسمي وتفقدت زنزانتي وقالت: انت صاحب بابا؟ فأجبتها: ايوه.. وقلت لنفسي: بل احد رعاياه ـ وضحاياه ـ يا ابنتي. تفقدت زنزانتي العاطلة عن كل جمال.. وسألتني ليه بتنام على الارض, مش على سرير زي بابا.. وليه مش عندك تلفزيون.. قلت: انا ما احبش التلفزيون.. واحب انام على الارض.. قالت: انا احب ماما سميحة وبابا شاروا.. وكانا ـ انذاك ـ اشهر مقدمي برامج الاطفال في التلفزيون والاذاعة. في ذلك اللقاء حكيت لابنة شمس بدران قصة الشاطر حسن وست الحسن والجمال وامنا الغولة التي سمعتها من امي في طفولتي وكانت تستمع الي بشغف وعيناها الجميلتان تلمعان, وكنت اروي بتدفق شأن انسان مضت عليه شهور لم يكلم فيها انسيا, ولم يشعر بانس, وافتقد لمتعة الكلام او الاستماع الى غيره من البشر وكانت الحدوتة قد انتهت حين سمعت صوت عم (سيد خضير) ينادي عليها, فغادرتني بعد ان اعطيتها ـ بخجل ـ حبة الفاكهة التي صرفها لنا المعتقل ضمن غذاء ذلك اليوم.. لتعود بعد قليل, وتقول لي: متشكرة يا اونكل.. سألتها: على ايه يا حبيبتي؟ قالت: ع البرتقالة.. مامي قالت لي لازم تروحي تشكري اونكل! قبلتها ومسحت على شعرها وودعتها, وكان عم (سيد خضير) مشغولا انذاك باطعام القطط انبسطت في قلبي تقطيبه: كانت هذه اول مرة يشرفني فيها انسان بهذا اللقب المحترم خلال شهور كنت انادى خلالها بـ (يا ولد) او (يا ابن الكلب) او (يا حيوان) .. وفي ساعات الصفا, انادى بـ (يا معتقل) او (يا مذنب) فياله من زمان. ففي اي مكان الآن توجد (هبة بدران) ؟ وهل يتصادف ان تكون ضمن ذلك الوفد من الفتيات الذي سوف اصحبه يوما, ليزور متحف سجن القلعة فأروي لها. من جديد ـ حكاية الشاطر حسن وست الحسن والجمال.. وامنا الغولة.. التي لم تنته بعد فصولها.