حاول أن تجلس في مكان ما, وتعلم النسيان قدر استطاعتك! لكن عليك قبلا أن تزيل كل مظاهر الماضي التي تلون الأماكن التي تملؤك حتى آخر العظم, كما تلون الأرضيات وجدران الغرف ومقابض الأبواب والنوافذ, حاول أن تغلق كل شيء حتى عراوي قميصك والفتحات الضيقة في سماعة الهاتف. ستنجح بالتأكيد إلى أن تجد نفسك في مقابل الأكثر صعوبة.. اغلاق منافذ الروح على ما تريد نسيانه, واغلاق القلب على خلايا الدم التي اعتادت استنشاق الحياة مع ذلك الذي تريد أن تتعلم العيش بدونه. والآن هنالك صور لا حصر لها, ضحكات وحكايات وقصص وسوالف, وملايين الكلمات والذكريات والتذكارات, آلاف الأماكن, المقاهي, محلات السوبر ماركت, الأسواق, المكتبات, أركان البيت الدافئة, الأرائك, الوسائد, أكواب الشاي, القطط والعصافير, أمنيات السفر الضاجة, وتذاكر السفر التي لم تغادر مكاتب الحجز يوما, النزهات, البحر, أحاديث الهاتف في المساءات الدافئة, تحايا الصباح الحلوة, ثم.. لا حصر للقائمة التي تتأرجح بين دفقة الحياة الحارة ودماء القلب الحانية. انفصل الآن - ان استطعت - عن كل هذه التفاصيل, إذا أردت أن تبدأ الاختبار الأول في حكاية النسيان, لكن الشرط أن تفعل ذلك دون حديث ودون أن تعلن ذلك بصوت عالٍ, ذلك يتطلب منك اقتحاما قهريا لمنافذ الروح وجدران القلب, ذلك يعني ان تفتح القلب وتضع الملح في قاع الجرح, اذا اردت ان تتعلم النسيان! فهل تقدر؟! اذن لن تفتخر ابداً بأنك استطعت ان تجلس في مكان قصي من العالم يوماً وبأنك انزويت في ركن وثير في غرفة باردة, واخذت في اختراق النسيان, فذلك ليس فقط مستحيلا, بل مضحكا!! تضحك في النهاية, تنهض من دفئك البارد, ستقوم ببعض الحركات, تمسح عينيك وتعتقد بأنك رحت في اغفاءة كدت فيها تنسى موعداً هاماً, وتتذكر ايضا بأن هاجس نسيان قد تراءى لك, وربما طرأ عليك بالفعل.. وربما كان مجرد حلم!