بعد مضي اكثر من نصف قرن على انشاء دولة اسرائىل, وبعد مرور ما يقرب من عشرين عاما على توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين النظام المصري والدولة الاسرائيلية وما يقرب من ثماني سنوات على مؤتمر مدريد للتسوية, لم يعد هناك اي شك في حقيقة النزعة العدوانية، التي قام عليها الكيان الصهيوني في فلسطين وفي حقيقة مسئولية اسرائيل الكاملة عن اوضاع التأزم والصراع والمواجهة والعنف السائد في المنطقة والناجم عن موقفها المضاد للسلام والتعايش, وتبنيها لسلام الهيمنة والقوة وامتلاك اسلحة الدمار الشامل.. سلام عنصري استعلائي يقوم على الفصل بين الحصن المقدس اسرائيل وما حوله من اغيار (جوييم) حسب المفهوم الصهيوني. وكان ذلك افرازا طبيعيا لكيان تم تأسيسه بغرض ان يكون عائقا محوريا للسلام في تلك المنطقة, وان الصراع القائم في تلك المنطقة يعود في جزء محوري منه الى وجود هذا الكيان العدواني الاستيطاني العنصري الاستعماري, كما ان معاداة اسرائيل للسلام ليست امرا طارئا على سياستها بل هي جزء لا يتجزأ من طبيعة ايديولوجيتها الصهيونية وتركيبتها العنصرية, وارتباطاتها الاستعمارية ولا يعني ذلك سوى الخطر الاسرائيلي المستمر على السلام في المنطقة كما تكشف ذلك بالمواقف الاسرائيلية المعاشة والمحتوية بداخلها على ضمانات كافية لعدم تحقيق السلام. منذ ان تم زرع الكيان الصهيوني على انقاض الشعب العربي الفلسطيني بمؤامرة وتدبير من قبل القوة الاستعمارية البريطانية, عبر اعطائها وعد بلفور وفتح الباب على مصراعيه لهجرة المستوطنين الصهاينة الى ارض فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني, قامت اسرائيل بتشريد ما يقرب من مليون ونصف مليون فلسطيني (750 ألف فلسطيني طردوا خلال الشهرين الاولين لقيام اسرائيل والباقي جاء نتيجة عدوان 1967 والزيادة الطبيعية). اما اليوم فقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين ما يقرب من 4 ملايين لاجىء وقد رفضت السلطات الاسرائيلية الكثير من القرارات المتخذة من قبل هيئة الامم المتحدة بضرورة عودة اللاجئين الى ديارهم, مع العلم ان قبول اسرائيل في هيئة الامم المتحدة كان في الاصل مشروطا بإعادة الفلسطينيين الى ديارهم واسرائيل تعلم ان عدم عودة هؤلاء اللاجئين سوف يكون كفيلا بإثارة الاضطرابات وسوف يكون عامل تهديد مستمرا لحالة السلام والتسوية, الا انها تؤمن بمبدأ الحياة اليهودية الصافية على ارض الميعاد وبالتالي عودة اللاجئين في نظرها يهدد تلك الحياة. ولو كان ذلك على حساب مسيرة السلام والتسوية! منذ ان اغتصبت اسرائيل بالقوة اراضي فلسطين في 48 و1967 وهي ترتكب عشرات بل مئات من المجازر الدموية لعل اشهرها مذبحة دير ياسين, بل وصل الامر الى انكار الشعب الفلسطيني نفسه, وعندما تم الاعتراف به كان ذلك على حساب سلب الارض الفلسطينية نفسها. كما كان قيام اسرائيل اشارة لبدء صراع طويل في المنطقة تعرضت فيه كثير من الدول العربية للعدوان واحتلال بعض اراضيها, وسقط الآلاف من الشهداء العرب من جراء ذلك العدوان المستمر واستفزت المليارات من ميزانية شعوب تلك المنطقة, ولم تكن التسوية بمثابة نهاية لهذا الوضع, انما جاءت على قاعدة تثبيت الظلم الذي وقع على الشعوب العربية وفي القلب منها الشعب الفلسطيني, وجاءت على قاعدة امتلاك اسرائيل للسلاح النووي والعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية. بعد ذلك لابد من سؤال حول امكانية السلام قبل تحقيق نظرة عادلة للصراع العربي/ الاسرائيلي؟ ولعل ذلك هو ما جعل مفكر أمريكي بوزن الدكتور جون دايفز يعلن عبر كتابه (السلام المراوغ) ان عقدة القضية هي ان اسرائيل, لكي ينتهي النزاع في الشرق الاوسط, ينبغي ان تتصرف كدولة طبيعية يكون اهتمامها الاول والثاني رفاهية الذين يعيشون في المنطقة التي تشكل جزءا لا يتجزأ من منطقة الشرق الاوسط وهذا يعني خاص ان المبادىء الصهيونية, التي حفزت اسرائيل على اقتراف ما اثار النزاع ينبغي اعادة النظر بها, وان دور اسرائيل كمحور ومركز للتركيب الصهيوني الاسرائيلي يجب ان يوضع له حد ان لم يبتر كلية كما يعني ايضا ان الاخطاء الماضية التي اقترفت بحق الشعب العربي يجب تقويمها وحين تتم هذه الاشياء لن تبقى هناك حاجة للحض على الحد من التسلح وسيعم السلام الشرق الاوسط) . ورأى جون دايفز (النائب التنفيذي لرئيس مجلس امناء الجامعة الامريكية في بيروت, والمفوض الاسبق للاونروا) يؤكد على طبيعة الكيان الصهيوني ـ الاسرائيلي كأساس للاضطراب والصراع وعدم الاستقرار في المنطقة, وهو يدرك تماما استحالة تحول اسرائيل الى دولة عادية بعدما اصبح الصراع العربي ـ الاسرائيلي صراعا اجتماعيا ممتدا شمل التاريخ والعقائد والارض والشعب والمستقبل وذلك فهو نفسه يردف قائلا: (الا ان اسرائيل نفسها اليوم عاجزة عن التخلي عن رسالتها او تعديلاها تعديلا كبيرا, فالقوى الصهيونية التي صنعتها قد قيدتها بالسبيل الذي هو سبيلها, كما ان زعماء اسرائيل لا يريدون ان يغيروا رسالتها وكثيرون منهم كانوا موظفين صهيونيين قبل ان يصبحوا زعماء اسرائيليين, لذلك فإن اية مبادرة لتحديد الرسالة الصهيونية لاسرائيل وتغييرها بشكل حاسم يجب ان تأتي من خارج هذا التركيب الصهيوني ـ الاسرائيلي) . لذلك فإن اسوأ ما في الخطر الصهيوني على السلام انه متجدد ومستمر ودائم, ذلك لانه ليس وليد ظرف تاريخي عابر مثل الاستعمار, او مرحلة تطور اجتماعي في حياة الامة كما هو شأن المماليك والامبراطورية العثمانية وعلاقتهما بالبلدان العربية, او حتى جنوب افريقيا التي عاشت الفصل العنصري اثناء حكم الاقلية من البيض, انما هو استعمار استيطاني احلالي عنصري يقوم على سلب الارض وطرد الشعب والبقاء المستمر عبر شبكة من تزييف الحقائق, لذا ليس غريبا قيام التسويات القائمة على المسار الفلسطيني/ الاسرائيلي والمسارات الاخرى على اساس الاعتراف بالامر الواقع غافلين الاحتلال والتوسع والتهويد والاستيطان, وهي في الحقيقة دعوة ضد السلام وضد التسوية ايضا لأنها تعطي شرعية للمغتصب في استمرار نهجه وسلوكه, وهكذا يستمر الخطر والاضطراب في المنطقة. ولما كان السلام لابد من ان يستند الى قاعدة من الحق والعدل والشعور بالمشاركة الانسانية واحترام المواثيق والمعاهدات على قاعدة القوة المتوازنة غير ذلك يعتبر هدنة او تسوية تحت اذعان اذا قبلنا مبادىء الحق والعدل وتوزان القوى كعناصر مكونة للسلام وقارناها بالمبادىء التي قامت عليها (الدولة الاسرائيلية) لوجدنا ان (اسرائيل) تقف على النقيض من عناصر السلام تلك. وتفسير ذلك ان اسرائيل لم تنشأ بشكل طبيعي مثل الدول الاخرى التي جاءت تعبر عن تمثيلها لشعب عاش على ارض الآلاف من السنين فتميز بالحضارة المميزة لهذا الشعب, انما جاءت تلك الدولة عبرة مؤامرة وتحالف استعماري ـ صهيوني لاحتلال فلسطين بتوافق بين اغراض الاستعمار واغراض الحركة الصهيونية, وجاء تعبيرا عن رغبة اوروبا في التخلص من اليهود وفي الوقت نفسه نوعا من التطهير ونقد الذات والتعويض عن ما تم من مذابح لهم من قبل الاوروبيين. كما ان (اسرائيل) ما زالت ترفع شعار دولة كل اليهود, وهي الدولة الوحيدة غير المحددة لحدودها حتى الآن, إلا اذا كانت مسارات التسوية القائمة سوف تفرض عليها حدود محددة بالمعاهدات والمواثيق عندها سوف تواجهنا فكرة ان اسرائىل لا تنحصر بحدودها فكل يهود العالم في الارجاء المعمورة مواطنون لها, كما ان الحدود تلك لابد ان تكون حدود مهيمنة عبر مشاريع التكامل الاقليمي مع دول الجوار بالاضافة الى امتلاكها للسلاح النووي وكافة اسلحة الدمار الشامل. ناهيك عن ان القادة والقوى والفاعلين ـ الاسرائيليين معظمهم يتفق على ان اسرائيل الحالية هي مجرد اسرائيل الصغرى. والمطلوب (اسرائيل الكبرى الممتدة من النيل الى الفرات والتي يطلق عليها ارض اسرائيل) ومع ايماننا ومعرفتنا بأن هناك اقلية لا ترى ذلك الآن, انما من المؤكد سوف تويده وتطالب به وتعمل من اجله عندما يحل موعد احداثه مثلما حدث من قبل القوى التي ساندت التقسيم بعد 1948, ثم ايدت ضم اراضي 1967 ثم طالبت بعدم العودة لحدود 1967, ونادت بوحدة القدس كعاصمة لاسرائيل. هل نحتاج بعد ذلك الى كشف التناقض بين مفهوم السلام والمبادىء التي قامت عليها اسرائىل؟ نعم نحتاج, وبالذات عندما نعلم ان السلام لا يأتي الا مرتكزا على الامن وان غرض السلام هو تحقيق الامن لعل ذلك يجعلنا نستكشف نظرية الامن الاسرائيلية في احدث مراحلها والتي صاحبت التنظير لها من قبل الخبراء الاسرائيليين من الاستراتيجيين البارزين مسارات التسوية القائمة, ففي تقرير اعده مركز جافي للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة تل ابيب في عام 1994 تناول المدى الزمني المنتظر لعملية السلام بين العرب والاسرائيليين جاء فيه: (ان السلام الذي يدفع الخطر عن اسرائيل ويعزز من فرص التعاون الاقليمي بين دول المنطقة لا يزال بعيدا, وهو نفسه الذي يضع اسرائيل في دائرة الخطر, اننا حينما نكون في حالة سلام مع العرب, فهذا يعني ضمنا اننا في حالة حرب معهم.. لأن احدا لا يستطيع ان يتكهن بطبيعة المكان الذي تكمن فيه الكراهية) ولمواجهة هذا المكان اقترح التقرير على الحكومة الاسرائيلية تجريد العرب من قدراتهم العسكرية, وعدم السماح لهم ببناء الجيوش الحديثة او امتلاك الاسلحة المتطورة والعمل على تفكيك الصواريخ العربية والتأكد من ازالة كل الاسلحة الكيماوية والبيولوجية الموجودة لدى الجيوش العربية, كما اكد التقرير على الحفاظ على التفوق النوعي والكمي الاسرائيلي بالمقارنة بكافة الجيوش العربية مع الحرص على تنمية الفجوة التكنولوجية باستمرار, تلك هي العقلية الاستراتيجية الاسرائيلية ومنظورها للسلام والتعاون في المنطقة. لذا كان من الطبيعي ان تستمد تلك الافكار والاطروحات من تصور الاسرائيليين لأمنهم القومي ومبادئه التي تركزت في ضرورة تعبئة وحشد جميع مصادر القوة الشاملة من اجل تحقيق الغايات والاهداف القومية العليا لاسرائيل واهمية وجود الانسجام والترابط بين المصلحة العليا ومصالح الدول العظمى على المستويين الدولي والاقليمي ناهيك عن الاهمية العليا للقوة العسكرية المتفوقة (تقليدية ونووية) وشرعية استخدام تلك القوة العسكرية لشن ضربات وقائية مسبقة عند بروز نوايا بتهديد عربي ضد اسرائيل, وقد جسد بن جوريون مفهومه للقوة الشاملة كمبدأ من مبادىء الامن القومي الاسرائىلي في الكنيست الثاني 1955, حين قال (ان امن اسرائيل لا يقوم فقط على جيش وسلاح, ورغم انه بدونهما لن يكون هناك امن, الا ان الامن يعني ابعادا اخرى تتمثل في تكثيف الهجرة الى اسرائيل والتوسع في الاستيطان, وفي المقام الاول استيطان الصحراء. ان الامن يعني تحويل البحر الى يابس والهواء الى ارض صلبة وذلك بأن تكون لنا قوة بحرية عظمي وقوة عملاقة في الجو.. الامن ايضا يشمل تطوير البحث العلمي والقدرة العلمية في جميع التخصصات الفيزيائية والكيماوية والبيولوجية والتكنولوجية الى اعلى مستوى, بل الى اعلى قمم العلم. الامن هو الكفاءة الفنية والمتطورة لشبابنا في الزراعة والصناعة والبناء والملاحة..) . من ذلك المفهوم القائم على القوة الشاملة ذات الضربات الوقائية الاستباقية, كان لابد ان يتمتع الجيش بتفوق نوعي على الجيوش العربية كما كان لابد من اتباع الحرب القصيرة الحاسمة كأسلوب للمواجهة وادارة الحرب, وتعويض الاقتصاد الى العمق الاستراتيجي جغرافيا وذلك عبر شبكة المستوطنات القائمة بوظيفة العمق الاصطناعي, بالاضافة الى الارتباط دائما بقوة كبيرة تدعم اسرائيل وتكون حليفا استراتيجيا. وما يهمنا توضيحه هنا ايضا هو تلك الاهداف والغايات الموجهة للدولة ولأمنها القومي, وبالذات لأن الاهداف والغايات تتغير باستمرار عبر مراحل زمنية ومتأثرة بديالكتيك البيئة الداخلية الحاضنة للقوة والبيئة الخارجية وتأثيرها على القوة. والغاية القومية للدولة هي بمثابة مجموعة الاهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها والتي من خلالها تحافظ الدولة على استقلالها وامنها وحريتها ورفاهية شعبها, وتعتبر القيادة السياسية للدولة هي المسئولة عن تحديد تلك الغايات والاهداف القومية, ومن الغاية القومية تنبع الاهداف القومية المتخصصة في المجالات المتعددة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والايديولوجية والتكنولوجية والاستراتيجية. وانطلاقا من ذلك فإن الغاية القومية لاسرائيل لم تتغير منذ انتزاع ارض فلسطين المتمثلة في (اقامة اسرائيل الكبرى اليهودية النقية كقوة اقليمية عظمى مهيمنة في منطقة الشرق الاوسط) وتحقيق ذلك تم عبر الصراع والحرب عن طريق العدوان واحتلال الارض وطرد الفلسطينيين والاستيلاء على الثروات الطبيعية بالقوة, لكن تحقيق الغاية نفسها عبر مراحل التسوية والسلام لن يتأتى الا عن طريق امتلاك قوة الردع التقليدية وغير التقليدية والربط بين مفهوم السلام والامن الاسرائيلي وضم الاراضي من خلال المعاهدات والمواثيق الموقعة عبر المسارات الثنائية والمتعددة في المراحل المتعددة للتسوية وتهويد الارض, وزرع المستوطنات. كل ذلك من اجل تحقيق اسرائيل الآمنة والقوية عسكريا واقتصاديا وايديولوجيا واجتماعيا وتكنولوجيا, ويتم ذلك عبر استراتيجية اسرائيلية من مستويين مستوى اعلى (الخطة الكبرى) ومستوى اقل (مشاكل الامن الجاري) ويتم ترسيم الخطة الكبرى طبقا لمراحل زمنية كل عشر سنوات تحت سقف الغايات الاسرائيلية في تأسيس الدولة الاسرائيلية الكبرى, اما مشاكل الامن الجاري فتتم معالجتها لتأمين الدولة في وضعها الحالي. والمخطط الاستراتيجي لتنفيذ (اسرائيل الكبرى) يؤسس على ثلاث استراتيجيات فرعية ـ حسبما يقول الخبير العسكري المصري لواء اركان حرب متقاعد حسام سويلم في كتابه (اسرائيل ونظرية جديدة للحرب) الصادر عام 1998 ـ هي مخطط بلقنة المنطق الذي يستهدف تقسيم المنطقة الى كنتونات طائفية وعرقية من اجل تأسيس الكومنولث العبري, وما اقتراح نتنياهو عن لا سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني باسرائيل الا انعكاسا لتلك المفاهيم, بل ان الشرق الاوسط الجديد هو بمثابة اشكال جديدة في اطار الغاية والهدف نفسيهما. كما ان هناك مخططا آخر هو (شد الأطراف) وذلك بادخال الدولة العربية الطرفية في نزاعات جانبية مثلما حدث ويحدث بين سوريا وتركيا, والعراق وتركيا وايران والعراق وصراعات الحدود في دول الخليج العربي وصراع الجزائر والمغرب.. إلخ. كما ان هناك مخطط تديره الولايات المتحدة الأمريكية بفرض الحصار على حالات التمرد في الدول العربية مثل العراق وليبيا والسودان, وأخيرا هناك مخطط الاستيطان والعمل على تكثيفه من أجل تكريس الاحتلال الاسرائيلي للضفة والقطاع والقدس الشرقية والتي تعمل في الوقت نفسه على خلق عوائق أمام تواصل جغرافيا الكيان الفلسطيني المزمع انشاؤه. ولا شك ان تضافر تلك المخططات العاملة على تحقيق الغايات الاسرائيلية ـ الصهيونية والمسلحة بالقوة التقليدية والنووية يجعلنا نتساءل هل هناك امكانية للسلام؟ لقد كان ذلك كله يقف خلف اجتهاد الباحثين الاسرائيليين في وضع أسس جديدة للأمن القومي في ظل متغيرات موازين عالم اليوم لتحقيق نفس الغايات المؤسسة لذلك الكيان الصهيوني الاستيطاني وفي كتاب بعنوان (اسرائيل على مشارف القرن الحادي والعشرين) أصدرته مؤسسة (فان لير) لعدد من الخبراء والاختصاصيين الاسرائيليين في علم المستقبليات, يقول (جفرائيل بن دور) أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا: (ان ما يسمى بالسلام الحقيقي, هو رؤية غير قابلة للتحقيق في اسرائيل, ذلك لأن الخطورة تأتي من اقتناعنا جميعا ـ سياسيون وجنرالات ـ بما يسمى في علم السياسة بـ (النبوءة التي تحقق نفسها) , أو كما قال هرتزل (إذا أردتم فلن تكون هناك خرافة, لا تقولون سيأتي يوم, اعملوا على مجيء ذلك اليوم) , وهنا يكمن الخطر, لأننا بتعريفنا لمقاييس المستقبل بطريقة أو بأخرى, فإننا سنفرضها على أنفسنا, ذلك لأن الزمن لا يفعل فعله بالضرورة, فهو لا يفعل شيئا, بل الناس هم الذين ينجزون الأشياء ومن ثم فإن من يعتقد من قادة اسرائيل ان أهدافها يمكن ان تتحقق من خلال العمل السلمي, فإنه سيسعى إلى ذلك, وأما من يعتقد ان الحرب هي السبيل فسيسعى بدوره لشنها. بعد ذلك ليس غريبا ان نسمع من ديفيد عفري مدير عام وزارة الدفاع الاسرائيلية في عام 1993 بعد كامب ديفيد بما يقرب من ستة عشر عاما, ان اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل ليست مرضية, وانها أقرب إلى هدنة منها إلى الصلح بين البلدين, وان خطر تجدد الحرب بين مصر واسرائيل مازال قائما, وإذا ما رغبت اسرائيل في تجنب هذا الخطر, فعليها ان تحتفظ بقوتها العسكرية, أما الصلح الحقيقي فإنه سوف يتحقق حين تنمو لدى الأطراف العربية المعنية المصلحة في استمرار اسرائيل, وفي تصريح سابق للجنرال ورئيس الوزراء الحالي ايهود باراك قال (على اسرائيل ان تكون مستعدة لخوض حرب حاسمة ضد العرب على جميع الجبهات, بما في ذلك تجدد المواجهة العسكرية مع مصر) . وتلك التصريحات تعني بوضوح ان السلام في نظر اسرائيل وقادتها وغاياتها هو الاعتراف بها كدولة وكدور مهيمن في المنطقة وإلا ما معنى قول عفري (تنمو لدى الأطراف المصلحة في استمرار اسرائيل) , وما معنى اعتبار الاتفاقية الموقعة مع مصر مجرد هدنة بل وهناك احتمالات لتجدد المواجهة. ولعل ذلك ما جعل المفكر الاستراتيجي أمين هويدي يذكر في كتابه الحرب والسلام في الفكر الاستراتيجي الاسرائيلي: (استراتيجية اسرائيل ترتكز أساسا على الأمن المطلق, فالآن له الأسبقية الأول في تكوينها الداخلي وعلاقاتها الاقليمية والعالمية) . والأمن المطلق لدولة ما هو في الحقيقة (لا أمن) للدول المجاورة وتأخذ كل الدول في علاقاتها الخارجية عدا اسرائيل بقاعدة (الأمن المتبادل) الذي يحقق الاستقرار المنشود, فالهيمنة هي المعنى الحقيقي للأمن المطلق. وانطلاقا من مفهوم الأمن المطلق صاغ بعض الاستراتيجيين الاسرائيليين مفهوم (الأمن التعاوني) بين اسرائيل والدول العربية, ويؤسس هذا المفهوم على فرض مفهوم الأمن الاسرائيلي على البلدان العربية, والعمل على تشديد العلاقات أمنية ـ عسكرية غير متوازنة تفرض فيها اسرائيل مفهوما للقوة الشاملة على العرب, بل وتعمل على المزيد من الاختلال في ميزان القوى لتعويض اسرائيل عن فقدها لأي أراض فلسطينية وعربية, وعن ذلك يقول مارك هيلر من مركز جافي للدراسات الاستراتيجية: (ان منطق اللاتكافؤ أو اللاتوازن أكثر الحاحا في وضع الشرق الأوسط مما هو عليه في أوروبا, لأن اجراءات الأمن التعاوني تستنفذ في الشرق الأوسط ليس على أساس الوضع الاقليمي القائم كما كان الحال في أوروبا, بل على أساس تقليص ما للسيطرة الاسرائيلية على مقدرات جغرافية ـ عسكرية في الضفة الغربية والجولان. وبتعبير آخر يترتب على الربط بين السياسة والأمن مخاطر أمنية غير متوازنة لاسرائيل, ولذا فإن على هذه المخاطر ان تنعكس في اجراءات ضبط تسلح غير متوازنة) . أخيرا نستطيع ان نرصد سلوك الدولة الاسرائيلية تجاه مشاريع التسوية حتى نتيقن من التناقض القائم بين السلوك ومفهوم السلام. ومن المعروف ان المواقف العملية للدول تتصف بالتغير والديناميكية مما يجعلها مفارقة بنسبة ليست ضئيلة للأيديولوجيا والمبادئ العامة, و لكن في حالة اسرائيل يبدو انسجاما شبه تام بين النظرية المتمثلة في الايديولوجيا الصهيونية والسلوك التطبيقي للدولة الاسرائيلية, ومن هنا كان الموقف الاسرائيلي العملي من مشروعات التسوية السلمية ـ من بعد 1948 ـ اعلان دولة اسرائيل ـ حتى الدخول في مسارات التسوية, بعد مدريد, الجماعية والثنائية, منسجما مع طبيعة ذلك الكيان الاستعماري الاستيطاني العنصري والصهيوني, فهو متمسك دائما بمجموعة من العناصر ـ المبادئ بالنسبة له ـ تشكل مفهومه لبدء التسوية والدخول فيها, ويأتي على رأسها: 1ـ لا عودة لحدود ما قبل 5 يونيو 1967. 2ـ لا عودة للاجئين الفلسطينيين. 3ـ العاصمة عاصمة موحدة لاسرائيل. 4ـ اعتبار نهر الأردن هو الحد الأمني لاسرائيل وعدم السماح لأي قوات عربية ان تعبره أو تتواجد بعده. 5ـ الحفاظ على معظم المستوطنات ـ مستوطنات الأمن ـ في الضفة الغربية والقطاع, وذلك بغرض تمزيق الكيان الفلسطيني وتفتيته (خطة بقع جلد النمر) وفي الوقت نفسه اعطاء مدد وعمق للأمن الاسرائيلي. 6ـ لا مفاوضات مع اي طرف عربي المفاوضات المباشرة. 7ـ الربط بين معاهدات ومواثيق واتفاقيات التسوية المعقودة بشكل ثنائي أو جماعي وقضية التطبيع الذي يحقق الحياة الطبيعية اسرائيل, بل والتميز في العلاقات واعمال استراتيجيات الهيمنة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية عبر شبكة من المشروعات التعاونية الاقليمية المحققة لمركزية الدور الاسرائيلي في المنطقة. 8ـ استبعاد دور الأمم المتحدة من المفاوضات, و لعل ذلك ما حدث بعد مؤتمر مدريد مباشرة وتسكين الدور الأمريكي في اطار الناصح بعد ان رأت حكومة اسرائيل (باراك) ان دورها المحرك في الفترة السابقة من بعد مدريد أصبح غير مطلوب ـ رغم ان الدور الأمريكي هو نفسه تقريبا الدور الاسرائيلي ـ ذلك هو السلوك وتلك هي المواقف, فعن أي سلام نتحدث؟