ما الذي يجب ان تخشاه شعوب الامة الاسلامية من ظاهرة العولمة؟ في الاسبوع المنصرم حاول رئيس وزراء ماليزيا الدكتور مهاتير محمد الاجابة عن هذا السؤال منتهزا فرصة اجتماع وزراء الخارجية لدول (منظمة المؤتمر الاسلامي) ليحذر وينذر وينصح. لكن, أولا, ما هي العولمة؟ بمجرد ان نصادف هذا اللفظ المتداول فإن كثيرين منا يتعامل معه وكأنه مرادف للانترنت والفضائيات التلفزيونية الغربية. غير ان الانترنت وما شابهها من الشبكات والقنوات المعلوماتية والاعلامية ما هي الا بعض من ظواهر العولمة. فالعولمة بالدرجة الاولى مفهوم اقتصادي. تاريخيا يمكن ان نتابع نشأة العولمة للوراء الى (الثورة الصناعية) في اوروبا قبل قرنين. فقد كان اختراع الآلة الصناعية ايذانا بعصر الانتاج بالجملة.. وكان الانتاج بالجملة نفسه ايذانا بدخول رأس المال مرحلة البحث عن اسواق خارج الحدود من اجل تصدير فوائض الانتاج السلعي. ومن هنا كان الاندفاع الاستعماري الاوروبي الحديث في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ليس فقط من اجل خلق اسواق وانما ايضا لضمان مصادر ثابتة للمواد الخام. هذا التوسع الاوروبي بمستوى عالمي بدوافع رأسمالية لتعظيم الارباح يمثل المرحلة المبكرة لظاهرة العولمة كما نراها اليوم في عصرنا هذا. لكن في هذه الاثناء حدثت نقلة نوعية افرزتها ثورتان معاصرتان: ثورة الاتصالات.. والثورة المعلوماتية وكلتاهما نتاج للتطور التكنولوجي المذهل متسارع الايقاع خلال القرن العشرين. وبسبب هاتين الثورتين تمكن الغرب من تنظيم ثورة ثالثة هي ثورة الغزو الثقافي العالمي. تلازم هذه الثورات مع مد رأسمالي كاسح للشركات الغربية بمساحة العالم هو الذي يؤدي الى تدمير الحواجز بين الدول والشعوب: الحواجز الاقتصادية والمالية مع الحواجز الثقافية والاعلامية. هذه الاستباحة الشاملة هي التي حذر الزعيم الماليزي منها الدول والشعوب الاسلامية. من ناحية النذير الثقافي اشار مهاتير الى استخدام الانترنت لنشر (القاذورات) .. قائلا ان نصف عمليات البيع والشراء المباشرة على الشبكة مرتبطة بالخلاعة. اما من الناحية الاقتصادية فإن النذير اعظم. هنا يتحدث مهاتير عن (تحرير التجارة العالمية) .. اي ازالة الحواجز الجمركية بين دول العالم قاطبة حتى يصير العالم سوقا واحدة يتنافس فيها الجميع دون تدخل من الحكومات. ووضع كهذا يعني ببساطة ان تكون السوق العالمية الموحدة الخالية من اجراءات الحماية غابة كبيرة يطلب فيها من الاسود والنمور والفهود التعايش السلمي مع الغزلان, والصقور مع الحمائم. اذا جرى تعميم (تحرير التجارة العالمية) فإن الشركات الغربية العملاقة سوف تبتلع كل شيء في العالم الاسلامي.. من البنوك الى المصانع ونصبح في النهاية كما يحذر مهاتير (جمهوريات موز امريكية) . ان رئيس حكومة ماليزيا المخضرم هو خير شاهد في هذا الصدد.. ليس لانه يتمتع بقدر عال من الوطنية والنزاهة والكفاءة وانما ايضا لأن ماليزيا منيت باحدى تجارب العولمة القاسية في اطار ما يعرف بالازمة الاسيوية قبل ثلاث سنوات, فقد استغل كبار المضاربين الغربيين رفع القيود عن تحرك رؤوس الاموال من اندونيسيا واليها لضرب العملة الوطنية الماليزية عن طريق التلاعب بالارصدة المصرفية في بنوك البلاد. وبعد ان وقعت الازمة كان من اولى التدابير الحازمة التي اتخذها مهاتير اعادة القيود على حركة رؤوس الاموال تحت اشراف حكومي. ان العولمة خطر مستقبلي داهم على الشعوب الاسلامية. ورغم ان الزعيم الماليزي قد حذر وانذر الا انه لم يشأ ان يطرح اقتراحات لما ينبغي عمله. وربما يكون من الفضول لو حاول ذلك. فهو كان يخاطب كما ذكرنا وزراء خارجية مجموعة الدول الاسلامية في اجتماع غرضه التحضير لاجتماع القمة الاسلامية في نوفمبر. لقد طرح مهاتير القضية.. وعلى قادة الدول الاسلامية ان يتفكروا ويتداولوا لاستنباط ما يجب اتخاذه من تدابير.