الفرنسيون هم شعب الله (المختار) في الحب, هم أكثر خلق الله ايمانا بأن المرأة هبة السماء.. بدونها تصبح الحياة صحراء, جرداء, لكن في تلك الأيام خرج الفرنسيون عن طبيعتهم وقاموا بأكبر عملية (حلاقة) جماعية لرؤوس النساء في أعرض وأشهر شوارع عاصمتهم باريس (الشانزليزيه) ، كانت ماكينات الحلاقة تأكل الرؤوس التي كانوا يقبلونها, وتنزع التيجان الذهبية الناعمة التي طالما تحسسوها, وتغزلوا فيها, ونطقوا فيها شعرا ونثرا, وغرقت النساء كسفينة مصنوعة من الورق في عرق الخزي والعار, وشعرن أنهن عاريات رغم ملابسهن الكاملة, ولم يجدن سوى ان يغطين رؤوسهن العارية من الشعر ـ من شدة الخجل ـ بالقبعات. كانت حلاقة الشعر بالموسي هي العقاب الشعبي الذي فرضه الفرنسيون على النساء الخائنات اللاتي استقبلن جنود الاحتلال النازي في بيوتهن, لقد كانت في باريس وحدها 80 ألف امرأة يغطين رؤوسهن بالقبعات, ولم يقدر رجل واحد على ان يقع في غرام واحدة منهن, بل ان بيوت الدعارة ـ في شارع القديس (دينيس) القريب من السوق المركزية للخضار واللحم ـ لم تقبلهن, منتهى الاهانة والاحتقار, لكنه أيضا عقاب عادل للخيانة. ونحمد الله ان النازيين لم يدخلوا الاسكندرية وهزموا على أبوابها الغربية (عند العلمين) وإلا وجدنا من بين نسائها من ستضطر لوضع قبعة على رأسها, فعندما كانت مدرعات (روميل) على وشك الاقتراب من (العلمين) بعثت الاذاعة الألمانية الناطقة بالعربية برسالة إلى نساء الاسكندرية على لسان ضباط النازية تقول: (جهزن فساتين السهرة.. نحن على الطريق) . ساعتها لم تكن في المدينة (خياطة) واحدة بلا عمل, لقد أصبحن (مشغولات لشوشتهن) من أجل (تشطيب) فساتين النساء التي سوف تزين (حفل النصر الراقص) وراح أصحاب المحلات يتأكدون سرا ان بحوزتهم صورا لهتلر وروميل لوضعها في اطار, بينما انشغل صغارهم بتجهيز الأعلام ذات اللون الأحمر والأبيض والأسود, بل ان هناك من الأسر (كانت قد أجرت غرفا لضباط بريطانيين كانوا وقتها في الجبهة, فقامت هذه الأسر بحرق ملابسهم العسكرية التي كانت مودعة عندها, كأنما تحرق دليل ادانتها) وذلك حسب ما ذكرته الكاتبة الأمريكية (ارتيمس كوبر) في كتابها الساحر (مصر في الحرب العالمية الثانية) الذي ترجمه ببراعة تليق به محمد الخولي. ولم يكن نصيب الخونة من الرجال في فرنسا أفضل من مصير النساء, بل كان أسوأ وأسود, فقد أعدم علنا 18 ألف خائن, ونصبت المحاكم والمشانق في الشوارع, ومات البعض ضربا وركلا ورعبا, وكأن الثورة الفرنسية قد عادت في ذاكرة التاريخ البعيدة المنسية, وكان التنفيذ يتم دون دفاع أو استئناف, فقد كان القاضي والجلاد والمحامي شخصا واحدا, كما ان قائد المقاومة رئيس فرنسا فيما بعد الجنرال (شارل ديجول) سمح بأن يصفي الناس حساباتهم مع الخونة وأعطاهم مهلة شهر قبل ان يبدأ تنفيذ القانون, وكان من الذين فتك بهم الناس حتى شربوا من دمائهم 16 كاتبا و 320 ناظر مدرسة و 397 استاذا جامعيا و 14 فنانا تشكيليا و 4500 عاهرة. وفي بريطانيا ـ التي كان سقوطها في حجر الفاشية نهاية للديمقراطية الأوروبية ـ نشرت قوائم الطابور الخامس, أي الجواسيس والعملاء الذين كانوا ينتظرون دخول هتلر إلى لندن والتجول فيها من سيارة مكشوفة, مصنوعة من ذهب, فعلق الناس على بيوتهم علامة النازية وهي اشارة لاستباحة ارواحهم وقوطعوا مدنيا, فلم يجدوا من يتعامل معهم, وماتوا من العار قبل ان يموتوا من الجوع. ونشرت قوائم اعتبرها الناس في بريطانيا قوائم الشرف, قوائم الكتاب والصحفيين ومديري المدارس وعمداء الكليات الذين كان الألمان سيقتلونهم فور دخولهم لندن, لأنهم يمثلون خطرا عليهم, والمثير للدهشة ان الكتاب والصحفيين ومديري المدارس وعمداء الكليات الذين لم تكن أسماؤهم في قوائم الموت قد انهارت اسهمهم الاجتماعية والثقافية, فقد كانوا في نظر الرأي العام أقل قيمة من ان يكونوا هدفا لرصاص النازيين. وبعد ان انتهت الحرب في فيتنام لم يجد عملاء الولايات المتحدة مكانا لهم في الطائرات العسكرية الأمريكية العائدة الى واشنطن, ان المخابرات المركزية تهوى عقاب العملاء الذين يخدمونها, سواء كانوا حكاما أو محكومين, وهي اما تفضحهم, او تتركهم لشعوبهم تفتك بهم, وقد بلغت مأساة الخونة في فيتنام الجنوبية ان رئيسها لم يجد مكانا على طائرة أمريكية يمكن ان تحمله بعيدا عن الجحيم, وعندما بكى ولطم وجهه حملوه في سفينة شحن قديمة, وألقوا به في قاعها مع الفئران والعفن, ولم يجد الرجل الذي كان قدم كل ما يملك للأمريكيين سوى وظيفة عامل في محطة (بنزين) لا يكفي راتبها إطعامه خبزا جافا بلا غموس. ان مصير الخونة القهر, والمشي على الجمر, مصيرهم الموت خلية خلية, تصفية شرايينهم من الدماء نقطة نقطة, فهم يصادرون الأحلام, ويمزقون الأرحام, هم يفرضون الأحزان على الأوطان, يؤجرونها بالأمتار, ويحرقون الأشجار, ويقتلون الأحرار, والأشجار والأزهار. لذلك يحيرني موقف اللبنانيين من الخونة الذين باعوا وطنهم وتحولوا إلى عقارب صحراوية في خدمة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية, لقد تعامل معهم اللبنانيون برحمة غير متوقعة, وشفقة لا يستحقونها, ان اسرائيل نفسها لم تحتملهم, وتخلت عنهم, بعد 25 سنة خدموها فيها, قال وزير المالية ابراهام شوحات: (ان الواحد منهم سيكلفنا 100 دولار في الشهر) وهو مبلغ متواضع أقل من ثمن الحذاء الذي يضعه في قدميه الوزير الاسرائيلي. وقد وضعت اسرائيل حوالي 6500 شخص من الخونة الذين خدموها لربع قرن في مخيمات على بحيرة (طبرية) في أماكن وصفها زعيم كتلة الليكود (ارييل شارون) في مقال كتبه في صحيفة (جيروزليم بوست) الاسرائيلية بأنها (أمكنة لا تحتمل زيارتها أو الاقامة فيها) . وأضاف: لقد اتهمونا بالتخلي عنهم فنظرت بعيدا بخجل, ان ثمن الخيانة كبير, من سيصدقنا في المرة المقبلة عندما نحتاج إلى حليف, وببساطة متناهية وبدون احساس بالذنب أو الألم قال وزير الداخلية (ناتان شارانسكي) : (أسهل عليهم ان يعودوا إلى لبنان) ولم يجد الخونة الذين استبد بهم الغضب سوى حرق الثياب القديمة التي قدمت إليهم من سوق (الكانتو) أو وكالة (البلح) أو (الخردة) الاسرائيلية. وشعر الخونة ـ ولو بعد فوات الأوان ـ ان الموت في الوطن الذي باعوه أفضل من الحياة في أرض العدو الذي اشتروه, نار لبنان ولا جنة اسرائيل, لقد أبدى معظم الخونة استعداداهم ـ عبر مراقبي الأمم المتحدة ـ لتسليم أنفسهم إلى السلطات اللبنانية ومحاكمتهم على ما فعلوه, وقالوا: انهم ذهبوا ضحية الدعاية الاسرائيلية المضللة التي ادعت ان قوات (حزب الله) راحت تذبح وتحرق وتدمر كل ما يصادفها في قرى الجنوب, وهو ما جعلهم يفرون إلى اسرائيل, لكن كل ما روجت له الدعاية الاسرائلية ثبت انه خيال مريض, فقد ساد الهدوء قرى الجنوب فور انسحاب اسرائيل منها وسيطرة (حزب الله) عليها.. لا أحد تصرف على طريقة دراكولا الذي يعيش على مص الدماء, أو بوكاسا الحاكم الأفريقي الذي كان يفطر كل صباح بكبد طفل رضيع, أو بيريا رجل مخابرات جوزيف ستالين الرهيب الذي كان لا يستغرق في النوم إلا على أصوات ضحاياه, لقد تصرف مقاتلو (حزب الله) بحضارة, لا بجاهلية, بإنسانية لا بوحشية. ان هذه الحضارة وهذه الانسانية هي التي أعادت الجنوب اللبناني ـ أرض الشمس والجليد والكرز والتفاح والحواجز الشائكة والقتل بالبطاقة الشخصية ـ إلى الوطن الأم, هذه الحضارة, وهذه الانسانية هي التي ألغت المؤامرة الاسرائيلية القديمة بفصل الجنوب في دولة مخترعة مسلوقة سلقا, كما تسلق البيضة في دقائق, دولة احرقت فيها اسرائيل كل شيء, الفنادق والبيوت والمزارع والمدارس والمكتبات, وجعلت شوارعها مهجورة, وتليفوناتها صامتة, وجثث الناس في شوارعها لا تجد من يدفنها, فهناك أزمة مزمنة في رغيف الخبز, ولتر البنزين, وسرير في مستشفى, وضريح في مقبرة. وقد بدأت بذرة الخيانة في الجنوب في عام 1977, حين انطلقت شرارة من الحرب الأهلية اللبنانية من بيروت إلى الجنوب, في ذلك الوقت كانت الميليشيات الفلسطينية المتحالفة مع الأحزاب اليسارية والقوى التقدمية اللبنانية قد فرضت سيطرتها وأحكمت قبضتها على الشريط الحدودي مع اسرائيل, وهو ما أزعج سكان بعض القرى الجنوبية التي يسكنها مسيحيون متعاطفون مع حزب الكتائب, فكان ان قرروا التصدي للفلسطينيين في الجنوب وشكل هؤلاء الخلايا الأولى لنواة ما أصبح فيما بعد (جيش لبنان الجنوبي) واندمجت هذه النواة مع نواة أخرى من عناصر الجيش اللبناني في بلدة (مرجعيون) بقيادة الرائد سعد حداد كانت مهمتهم حماية القرى المسيحية, ولم تكن مهمتهم خيانة الدولة اللبنانية. وفي 14 مارس 1978 اجتاحت اسرائيل الجنوب لأول مرة ودمرت أكثر من 150 قرية وبلدة وقتلت أكثر من ألف شخص وتفاوت عمق غزوها بين 5 كيلومترات و 17 كيلومترا, ونفذت 3 مذابح راح ضحيتها 3000 قتيل وجريح ومعاق, وأجبرت 350 ألفا من السكان على الهجرة إلى الداخل اللبناني أي حوالي 80% من سكان الجنوب, وفي الوقت الذي انسحبت فيه اسرائيل إلى (الشريط الحدودي) سارع الرائد سعد حداد باعلان ما أسماه (دولة لبنان الحرة) وأطلق على مليشياته اسم (جيش لبنان الحر) الذي راحت اسرائيل تسلحه وتدربه وتموله وتسمح له بتهريب المخدرات وتنشيط عمليات الدعارة, وفي المقابل أصبح هذا الجيش العميل بالكامل الواجهة اللبنانية لحكم اسرائيل في المنطقة. ولم تكتف اسرائيل بأن يكن الخونة من المسيحيين اللبنانيين, وانما سعت بكل طرق الاغواء إلى ان يكون الخونة من كل طائفة وملة وديانة, شيعة, ودروز, وسنية, بل ان الخونة من خارج جيش سعد حداد ـ والذين أطلقت عليهم اسرائيل اسم (الحرس الوطني) ـ كانت غالبيتهم من غير المسيحيين, ففي دراسة غير منشورة ـ أشارت إليها مجلة (الوسط) ـ أعدها الاعلام الحربي لحزب الله عن تركيبة مليشيات أنطوان لحد ـ خليفة سعد حداد ـ ان هناك لواء هو (اللواء الغربي) يقوده ضابط (ماروني) , وهناك لواء آخر هو (اللواء الشرقي) يقوده ضابط درزي, وينقسم اللواء الغربي إلى ثلاثة أفواج اثنين شيعة والثالث ماروني. وينقسم اللواء الغربي إلى أربعة أفواج, اثنين مارونيين والثالث درزي, والرابع أرثوذكسي. ومن المعلومات المستقاة من تقارير حزب الله أيضا ان عدد عناصر المليشيات العميلة هو نحو 3000 عنصر, حوالي 60% منهم من الطوائف المسيحية و 40% منهم من الطوائف غير المسيحية. ولم يتردد حزب الله في استغلال هذه التركيبة من الخونة, فقد كشفت صحيفة (معاريف) الاسرائيلية عن ذهول وصدمة المخابرات العسكرية الاسرائيلية بعد ان عرفت ان هناك 235 شخصا كانوا عملاء مزدوجين بينها وبين حزب الله, وان هناك ضعف هذا العدد كانوا يعملون لحساب حزب الله من داخل صفوف الخونة, وأفرطت الصحف الاسرائيلية في البكاء والنحيب على خسارة عقيد (غازي ضاوي) ولقبه (جينجي) الذي أعلن حزب الله بعد الانسحاب الاسرائيلي انه كان رجلهم داخل المؤسسة الأمنية في الجنوب, وكان غازي ضاوي قد حظي بثقة الاسرائيليين إلى حد انهم اعتبروه أهم ضابط مخابرات لهم في الجنوب, وقد كان الواسطة بينه وبين حزب الله ابنه الذي يبلغ من العمر 28 سنة وهو صاحب رتبة رفيعة في الحزب, وهو الآن في مكان سري في بيروت. وفي استفتاء قامت به المخابرات العسكرية الاسرائيلية المسئولة عن مشكلة الخونة ان 47% منهم يفضلون العيش في خارج الشرق الأوسط, وان 32% منهم يصرون على البقاء في اسرائيل ولا يزال 12% منهم لم يحسموا أمرهم بعد, أما الذين يريدون العودة إلى لبنان فلا يزيدون على 8% فقط, وقد تدخلت الخارجية الأمريكية لدى 15 دولة غربية لقبول أعداد من هؤلاء الخونة, وفي الوقت نفسه أعلن رئيس المحكمة العسكرية اللبنانية القاضي نصري لحود انه سيمنح العائدين إلى بلادهم ـ التي خانوها وباعوها كما يهوذا دم السيد المسيح ـ كل فرص الدفاع عن أنفسهم, وانهم سينالون كل الرأفة والرحمة, ولا يعاقب القانون اللبناني في مثل هذه الحالة إلا بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة 15 سنة, وهو عقاب لا يتناسب بكل المقاييس الدولية مع جريمة الخيانة العظمى. لقد زرت الجنوب اللبناني أكثر من مرة , ولمست بيدي حجم الجراح والحرائق التي سببها هؤلاء الخونة لبلادهم وأهليهم, لقد تجاوز أحدهم حدوده وكتب في صحيفة اسرائيلية يقول: (ان اقتسام الله هو الحل الوحيد لارضاء الجميع في لبنان) لقد تصور هؤلاء ان كل شيء قابل للقسمة في لبنان.. الأرض.. الشجر.. السماء.. القمر.. الموانئ.. البشر.. المرافق.. وحتى الله .. استغفر الله .. وقال آخر في حديث لاذاعة اسرائيل: (ان لبنان معروض في المزاد العلني وقد اشتراه يهودي يبتاع الثياب القديمة) , وحرض ثالث جيش الدفاع الاسرائيلي على تحويل لبنان إلى مقبرة جماعية, أو جعلها أرملة متشحة بالسواد. وفي الحقيقة لم يكن جيش الدفاع الاسرائيلي في حاجة لمثل هذه النصيحة, فقد بادر بتنفيذها من تلقاء نفسه, ان دولة لبنان ـ التي كانت تبدو مثل امرأة شابة جميلة مدللة مستهترة ـ قد كبرت في كل عام من أعوام الحرب والاحتلال مئة عام, ولكنها لم تتردد في ساعة الجد في ان تخلع ثياب (تيد لابيدوس) و (بيير كاردان) و (لانفان) وكل الماركات (السينية) التي كانت تدمنها وتقلدها وترتدي الثياب العسكرية الخشنة, أجلت كل أحاسيسها بالجمال والقبلات وراحت تقاوم وتقاتل, وفرضت بالسلاح ما عجز غيرها عن فرضه بالمفاوضات, ودفعت الثمن غاليا, لكن خرجت من تجربة الدم والرصاص وشرفها مصون, ولم يبق أمامها سوى ان تزيل بقعة الخونة السوداء, وهي مسألة سهلة في عصر القانون ومساحيق الغسيل وسوائل اذابة البقع.