لو أننا سلطنا كاميرات أو ميكرفونات على واحدة من العمارات السكنية التي تسكنها أسر تنتمي للطبقة الوسطى في مجتمع أي دولة في العالم, فإن تلك اللاقطات للصوت والصورة ستقودنا بلا شك إلى نوعية متشابهة من الهموم والاختناقات والاهتمامات التي يدور فيها بشر الطبقة المتوسطة أو فقراء العالم بمعنى أصح. كما نستطيع الدخول إلى عوالمهم الذهنية والحياتية اليومية لنعرف كيف يبدأون نهاراتهم, وفي أي الأمور تدور أحاديثهم, ما هي همومهم واشكالات حياتهم, أين وكيف تتسرب أوقات أعمارهم منذ الصباح وحتى المساء؟ من يسرق الفرح من قلوبهم وعيون أطفالهم؟ وأين يدفنون جراحاتهم؟ وكيف يحتملون قسوة الحياة في هذه الأماكن الضيقة (الشقة ضيقة, السيارة ضيقة, المصعد ضيق, المكتب ضيق...) كيف يحتملون كل هذا الحجم من الضيق مع صراخ أطفال لا يتوقف, وشكاوى أزواج لا تنتهي, وطلبات مالك العمارة, ومحصل الكهرباء, وازعاج الجيران, وعمال الصيانة؟ كيف يجدون طعم الحياة؟ وكيف يحتفظون بذاكرة اللون في طبيعة لا تعترف بالألوان أحيانا؟! بعد أن شاهدت فيلما ألمانياً يحكي عن محاولة اكتشاف الضفة الأخرى الجميلة للحياة بعيدا عن الدوائر الضيقة, وجدتني أتأمل العمارات السكنية المصفوفة كالعلب محاولة أن أرسم صورة لحياة الأسر في هذه العلب كما رسمها الفيلم. فمنذ ساعات الصباح الباكر, وعلى رنين المنبه المزعج تستيقظ الزوجة أولا, تجري في كل الاتجاهات, ما بين المطبخ, وغرفة الأبناء, وسرير الزوج, ترتدي ثيابها, تعد بعض الافطار للصغار, تصرخ عليهم وعلى والدهم, وبدوره يصرخ الزوج لاعنا المياه التي انقطعت وهو يستحم, بينما تصرخ الزوجة موبخة الحياة التي ربطت مصيرها بزوج لا يقدر الحياة الزوجية, خاصة بعد أن وجدت الثلاجة خالية تماما. في شقة أخرى نرى أحد الجيران وهو يعيش بمفرده يتوجه مباشرة إلى النافذة, يفتحها على مصراعيها, فينفتح أمامه مشهد رائع لغابات خضراء ومساكن جميلة, وجبال مكسوة بخضرة بهية, وسماء زرقاء مطرزة بغيوم بيضاء هنا وهناك, وأسراب من الطيور تغرد في فضاء رائق وكأنها تشاكس السحابات الخفيفة المتطايرة معها.. ينظر الرجل لهذا كله ويتساءل: لماذا يصرخ هؤلاء الناس هكذا إذن؟ ألا يعلمون ان في الخارج حياة أجمل من أن نضيعها في الزعيق والمناكدات الصباحية والصراخ؟ ربما لا يتوفر كل هذا الجمال أو بعضه على الأقل لكل الناس, لكن نوعا من المتع موجود في الخارج دائما, خارج دائرة الاختناقات الضيقة, وما علينا سوى أن نؤمن بوجوده وبحقنا في الاستمتاع به, ما علينا سوى أن نرفع هذا المكبر الذي نجيد وضعه على صغائر الأمور لنحولها إلى مآس.. دون داع أبدا.