في لندن اطلق روبن كوك وزير خارجية بريطانيا صيحة فزع. وفي واشنطن تناغمت مع الصيحة مادلين اولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة. وبدا اجمالا ان عواصم الغرب تتوجس. كل هذا بسبب فوز حزب الرئس الزمبابوي روبرت موجابي في الانتخابات البرلمانية هذا الاسبوع. فلماذا تكون عملية انتخابية في بلد افريقي فقير مصدرة اثارة مفزعة في الغرب؟ ببساطة, عواصم الغرب ترى فيما يجري في زمبابوي مشروع ثورة في الجنوب الافريقي يمثل رأس رمحها الرئيس موجابي. ولذا فانها تنظر الى فوز حزب (زانو) كدفعة قوية لهذا المشروع وإيذانا ببداية انطلاقه على الصعيد العملي. وانتصار حزب (زانو) لم يكن بداية القلق الغربي. لمدى شهور ظلت لندن وواشنطن منهمكتين في حملة سياسية ضاربة ضد زمبابوي لتشويه سمعة الرئيس موجابي بتصويره كدكتاتور غوغائي ارهابي خارج على الاعراف الدولية. والسبب هو (الارض) . بعد عشرين سنة من الاستقلال عقد الرئيس موجابي امره وحشد ارادته وارادة جماهير حزبه لمواجهة التحدي الداخلي الخطير الذي من اجله اصلا اندلعت ثورة التحرير المسلحة في السبعينيات. هذا التحدي يتمثل في احتكار اقلية المستوطنين البيض في زمبابوي لمعظم الاراضي الزراعية الخصبة وبالتالي الانفراد بسيطرة شبه كاملة على الاقتصاد الوطني في بلد يشكل القطاع الزراعي عماد اقتصاده. واذا كان موجابي قد تأخر عشرين سنة في اشعال معركة فاصلة مع الاقلية البيضاء ذات الاصل البريطاني من اجل نقل ملكية الاراضي الى المواطنين الاصليين من المزارعين السود فلانه اتجه اولا لايجاد حل استرضائي سلمي بين الحكومة ومجموعة الاقطاعيين البيض. لكنه لم يصل الا الى طريق مسدود. فالاقطاعيون البيض تصلبوا عند طلب اسعار باهظة للاراضي الواقعة تحت ملكيتهم وهم يدركون سلفا انه لا الحكومة ولا المزارعون السود الفقراء يملكون من الموارد ما يمكنهم من استرداد الأراضي. بازاء هذا الوضع المستحيل اتجه موجابي صوب بريطانيا, الدولة الاستعمارية السابقة التي اشرفت اصلا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على عمليات استيلاء مواطنيها البيض بالقوة على اراضي السكان الافارقة. طلب موجابي من الحكومة البريطانية ان تصحح خطيئتها التاريخية بتمويل عملية اعادة الاراضي الى السود لكنه لم يلق الا مماطلة بعد مماطلة. فقد كانت المفاوضات بين الحكومة الزمبابوية والحكومة البريطانية في هذا الصدد من حيث عقمها اشبه بمفاوضات الفلسطينيين مع الاسرائيليين. حشر موجابي إذن في زاوية. وعندما يجد زعيم ثورة تحررية مسلحة نفسه في مثل هذا المأزق فان مشاعر الثورة تستيقظ في نفسه. وهذا بالضبط ما جرى لموجابي وزبمابوي مؤخرا. فقد توصل الزعيم الى قناعة نهائية انه لا سبيل لاسترداد الاراضي المغتصبة الا بوضع اليد عليها. ومن هنا كان تحريضه لجموع المزارعين السود بالاستيلاء على الارض قسرا. هذه هي الزاوية التي يجب ان ننظر منها في الانتصار الانتخابي الذي حققه موجابي هذا الاسبوع. فهو من وجهة نظره تفويض شعبي علني لهذا الزعيم للمضي قدما في معركة استرداد الاراضي بأية وسيلة متاحة. اما سبب الفزع الغربي فهو ان مسلك الرئيس موجابي يمكن ان يشكل سابقة في الجنوب الافريقي. فالآن تتطلع جماهير المزارعين السود في جمهورية جنوب افريقيا وفي زامبيا وفي ناميبيا صوب الاراضي الخصبة الواقعة تحت سيطرة الاقليات البيضاء في بلدانهم. لقد كانت بلدان الجنوب الافريقي في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات مسرحا لثورات مسلحة عارمة ضد الحكم العنصري للاقليات البيضاء. والان يخشى الغرب ان يكون تمرد موجابي ايذانا باندلاع ثورة افريقية شاملة لتحقيق مالم تحققه الثورة الاولى: استرداد الارض.