ترى هل هناك مفهوم محدد لليمين واليسار في السياسة في عالم اليوم؟, أم أن تلك المفاهيم تغيرت بعد أن أصبح الجميع يكاد يتساوى في الجري وراء موضة (العولمة) المفروضة من أعلى؟, أي سيطرة رأس المال الذي تتحدث الشركات المتعددة الجنسيات باسمه, تلك المفاهيم التي عرفناها في العالم منذ أن بدأ البشر يمارسون السياسة, وازدادت حدة في عالمنا المعاصر بعد أن بدأ الصراع بين الشرق متمثلا في الاتحاد السوفييتي, والغرب متمثلا في وانفرد الغرب بالتسميات ومعانيها. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتمزقه تحول الحالمون من (اليسار السوفييتي) فجأة إلى (يمين) في عرف المحللين السياسيين, فسمعنا من يصف المطالبين بالتخلي عن الإصلاحات التي دخلت الحياة السياسية والاقتصادية بعد جورباتشوف بأنهم من اليمين, أو هناك من يصفهم في الغرب بالمحافظين, وكأن التغيرات التي جرت في الاتحاد السوفييتي قلبت تلك التسميات رأسا على عقب. الأمر نفسه في الغرب, حيث يصف المحللون السياسيون من يطالب بالإبقاء على الحقوق التي حصلت عليها الطبقة العاملة وحمايتها من (الخصخصة) بأنهم من المحافظين أو اليمين, مع أن كلنا يعرف أن تلك الحقوق التي حصلت عليها الطبقة العاملة رغم أنف البرجوازية جاءت بعد نضال طويل قاده من كانوا يسمون حتى وقت قريب باسم (اليسار) . هذا الانقلاب في المفاهيم غير من نظرة الكثيرين من العاملين في الحقل السياسي وبشكل خاص من المثقفين منهم, ولم يعد هناك من يرى في الأحزاب ما يمكن وصفه باليمين أو اليسار, وهذا انعكس بالطبع على وسائل الإعلام التي لها التأثير الأكبر على الناخبين في الأنظمة الديمقراطية. في ظل هذا الوضع الجديد تحولت الجماهير في الدول التي تطبق النظام الديمقراطي عن التسميات, وأصبحت في معظم الأحوال تمنح ثقتها لحزب معين دون الأحزاب الأخرى, ليس لتطابق شعارات الحزب مع ما يؤمن به الناخبون, بل بناء على البرنامج الانتخابي المقترح والممارسة الفعلية في السلطة, وليس بناء على شعارات توصف باليمين أو اليسار, وحدث هذا في معظم الديمقراطيات الأوروبية في السنوات الأخيرة, لأن برامج الأحزاب السياسية لم تعد تختلف ما بين اليمين واليسار التقليدي بعد أن أصبح الاقتصاد حرا, والأسواق المفتوحة شعار الجميع. لكن هذه المفاهيم التي كانت ممارسة أوروبية أصيلة بدأت تنتشر تدريجيا في معظم دول العالم الثالث, التي تطبق النظام الديمقراطي الغربي بكل ما يحيط به من مثالب تجعله أقرب إلى الماكياج الذي يحاول تجميل عيوب نظام دكتاتورية الحزب الواحد, كما حدث و يحدث في معظم دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا, التي حاولت أن تتشبه بالغرب من خلال تطبيق الديمقراطية كواجهة وليس كفعل, لأن التطبيق الديمقراطي الغربي لا يمكن أن يسمح أبدا بالالتفاف على الدستور, الذي يتمتع بأعلى درجات القدسية في الممارسة الديمقراطية كما فعل الرئيس كارلوس منعم في الأرجنتين, وتبعه على الطريق نفسه الرئيس فوجيموري في البيرو, وبقيا في السلطة لفترة انتخابية أكثر ما تسمح به نصوص الدستور. كما أن التطبيق الديمقراطي الفعلي لا يمكن أن يسمح ببقاء حزب واحد في السلطة مدى الحياة, مكرسا لما يمكن تسميته بدكتاتورية الحزب, كما حدث ويحدث في المكسيك, التي حكمها ويحكمها الحزب الدستوري الثوري منذ أكثر من سبعين عاما, على الرغم من كل الفساد الذي مارسه زعماؤه, وأبرز دليل على ذلك أن الرئيس المكسيكي السابق هارب من العدالة بعد الحكم عليه في قضايا رشوة وفساد, الحزب يحكم في البلاد تحت شعارات الديمقراطية, لكنه في الحقيقة يستخدم الرشوة والقمع والتزوير من أجل إطالة فترة بقائه في السلطة. تطبيقا للمفاهيم الجديدة في الممارسة الديمقراطية التي لن تعد تهتم بالمفاهيم القديمة لليسار واليمين, قرر عدد كبير من أبرز المثقفين اليساريين في المكسيك دعوة الناخبين للتصويت لحزب العمل الوطني (اليميني) , هذه الدعوة تأتي بالطبع نتيجة تغير مفاهيم اليمين واليسار, ولكن بما أن مثقفي اليسار في المكسيك ينتمون إلى مثقفي العالم الثالث, فإنهم مثلهم مثل كل مثقفي اليسار في العالم المتخلف, يرفضون الاعتراف بوقوعهم في أسر المفاهيم الجديدة لليمين واليسار, ويحاولون فلسفة الأمور على نحو آخر يحاولون من خلاله الإبقاء على المفاهيم القديمة في عقولهم وكتاباتهم, في الوقت الذي تطبقون المفاهيم الجديدة في الواقع الفعلي. يرى المثقفون المكسيكيون أن الضرورة تحتم عليهم في الوقت الراهن التصويت لحزب يميني, وذلك للتخلص للحزب (الدستوري الثوري) الذي نشر الفساد في البلاد ويمارس حكما دكتاتوريا, بعد أن فشلت محاولاتهم في أن يتمكن حزب يساري في الوصول إلى السلطة, أي أنهم يرون أن التغيير مطلوب حتى لو كان الحكم الجديد تحت راية حزب يميني. كان تصويت المثقفين المكسيكيين دائما لصالح الحزب اليساري (الثورة الديمقراطية) , وكرسوا جهودهم بكثافة لدعوة الناخبين للتصويت لهذا الحزب في الانتخابات التي جرت منذ عام 1988 وحتى الانتخابات الأخيرة التي جرت عام ,1994 لكن هذه الجهود فشلت نظرا لمحدودية سقف الأصوات التي لم يستطع زعماء هذا الحزب اليساري اختراقه, ففشلوا في الحصول على تفويض شعبي حاسم يمكنهم من إبعاد الحزب الحاكم, أو حتى التخفيف من تسلطه, لأنه كان ينجح في النهاية بالأغلبية المطلقة, سواء بالواقع أو الرشوة والتزوير. لذلك لم يعد أمام اليسار سوى أن يجرب تكتيكا جديدا في ممارسة الحياة السياسية في المكسيك, وهذا التكتيك يتمثل في مساندة حزب يميني يمتع بسقف أعلى من الأصوات التي يتمتع بها حزب الثورة الديمقراطية اليساري, حتى يمكن إبعاد الحزب الحاكم على أمل أن يتم التخلص من الممارسات القمعية, ويمكن فتح الطريق أمام الحزب اليساري للوصول إلى السلطة في المستقبل, بعد أن يجرب الشعب المكسيكي ممارسة اليمين التي لن تختلف كثيرا عن ممارسات الحزب الحاكم حاليا. في طريق هذه النظرة التي يرى بها مثقفو اليسار المكسيكي الأمور في الانتخابات المنتظر أن تجري الأسبوع المقبل, تكمن إمكانية ألا يحصل الحزب اليميني على أغلبية مطلقة مما يجعله في حاجة إلى تحالف يمكنه من الحكم, وفي هذه الحالة لن يكون التحالف ممكنا مع الحزب الثوري الدستوري الحاكم حاليا, بل سيكون الاتجاه إلى التحالف مع حزب الثورة الديمقراطية اليساري باعتبارهما مواجهين لعدو واحد. يمكن تفسير الأمور على هذا النحو الذي يمكن المثقفين المكسيكيين من إخفاء تأثرهم بتغيير مفاهيم المسميات في عالم ما بعد سقوط حائط برلين, ولو أن هذا التفسير يرتكز على قاعدة مهمة تؤكدها كل استطلاعات الرأي التي جرت خلال الأسابيع الأخيرة التي تشير إلى أن حزب العمل الوطني اليميني يمكنه أن ينجح في إبعاد الحزب الثوري الدستوري عن السلطة لأول مرة بعد ما يزيد على سبعين عاما قضاها في الحكم منذ ثورة إميليانو ثاباتا, وتؤكد الاستطلاعات أيضا أن الحزب اليميني في حاجة إلى حليف حتى يمكن أن يطبق ما يعلن عنه من إصلاحات, وإمكانية التحالف مع اليسار هي الأقرب لأنهما متفقان على الأقل في إجراء إصلاحات انتخابية تقلل من إمكانية البقاء في السلطة لفترة طويلة. لكن كالعادة هناك أصوات مخالفة للرأي وهي إحدى سمات مثقفي اليسار في العالم كله, فهناك من مثقفي اليسار المكسيكي من يرفضون هذا الطرح الجديد لمفهوم الممارسة السياسية, ويطالبون بالبقاء إلى جانب الحزب اليساري الذي مثل واقعيا الشعارات اليسارية التي يؤمنون بها, وبالطبع يتهمون أصحاب رأي التخلص من الحزب الحاكم بأي ثمن بأنهم يعملون لصالح يمين لن يكون أقل سوءا من الحزب الحاكم. كل هذا الخلاف بين مثقفي اليسار كان متوقعا, وأيضا هناك إمكانية أن يفشل الحزب الثوري الدستوري في الحفاظ على وجوده لأول مرة بعد واحد وسبعين عاما من ممارسة السلطة, وربما يكون ذلك هو أبرز المظاهر التي تصاحب انتخابات الأسبوع المقبل في المكسيك. كاتب مصري مقيم في اسبانيا