سيطرة العصبيات في المنطقة العربية, هو واقع حقيقي, وربما هو الواقع الوحيد الحقيقي, ولا يسع احد ان يفهم الاحداث السياسية او يفسر التحولات الجارية في البلدان العربية, بدون ان يفهم تأثير هذه العصبيات او جذورها العميقة الممتدة في هذه المجتمعات ونقصد بالعصبيات هنا الانتماءات الطائفية او الدينية او القبلية او المناطقية او القومية.. الخ. التاريخي او القومي وحده, قد كان مآلها الفشل. وربما اشير اكثر من ذلك الى ان احد اسباب فشل الكثير من الحركات السياسية العربية في تحقيق برامجها واهدافها انها لم تراع هذه المسألة او حاولت القفز عليها واحيانا بحسن نية, تحدوها الرغبة الطيبة في مجاراة التقدم الحضاري. اي ان بعض تلك الحركات ربما كان لديها استيعاب لا بأس به لحقيقة العصبيات لكنها ارادت ان تغيرها وتقضي عليها بصورة تعسفية ان الفرد العربي بصورة عامة, قد يبدأ في شبابه قوميا او ماركسيا ثوريا, وقد ينتقل بين هذه النظرية او تلك لكنه ما ان يتقدم في العمر حتى يعود محافظا يلفه تدين هو اقرب الى عادات البيئة المحلية وقيمها ونواميسها. وحتى الذي يبدأ حياته متحمسا للتنظيمات الدينية المتطرفة فإنه بمجرد تقدمه في السن, يميل الى الاعتدال والاندماج في البيئة المحلية. ان الامر الجدير بالملاحظة ان قوة العصبيات لا تكون في الاحوال العادية فانت ترى الناس في الشارع او العمل او الدراسة, ولا تكاد تخمن الى اي عصبية ينتمون, بل ربما حسبتهم جسما واحدا متماسكا, لكن ما ان يصل المجتمع الى انعطافة معينة, تتطلب فرزا في الولاءات او المصالح, حتى يتبدد ذلك الجسم ويتفتت ويعود كل عضو فيه الى عصبيته يحتمي بها ويحميها. وهنا يتبخر كل ما علق بالفرد من تعليم او ثقافة او فكر. والحرب الاهلية في لبنان نموذج بارز, والحروب المستترة في بعض البلدان العربية نماذج ايضا. ولهذا السبب فإنه في حين تفقد (او تستنزف) الحركات السياسية العربية عضويتها مع الوقت, وربما اصاب بعضها الاندثار, فإن العصبيات القبلية او الطائفية او المناطقية تحافظ على زعاماتها وعلى انتماءاتها فترة طويلة. اما لماذا استمرت العصبيات كل هذا الوقت تفعل فعلها في الواقع العربي, ودون ان ينجح التمدن والعصرنة في القضاء عليها فهذا يدل عليه امران. الامر الاول هو ان المجتمعات العربية, والدولة خصوصا لم تصل الى مرحلة النضج من وجهة النظر التاريخية والتي تسمح لها بصهر ودمج اجزاءها المكونة في اطار دولة قومية واحدة. وهذا يمكن ان يحدث بطريقتين واحدة قديمة استخدمتها بعض الدول في القرنين الماضيين ونجحت فيها, وهي طريقة القوة سواء بالتذويب القسري او التطهير العرقي, لكنها لم تعد ممكنة او مقبولة اليوم. والتجربة اليوغسلافية دليل على ذلك. وطريقة اخرى حديثة وهي اعادة صياغة العلاقات المجتمعية على اساس مفاهيم المواطنة وحقوق الانسان والاحترام الكامل وغير المشروط لحرية المواطنين في التعبير عن ذواتهم وهوياتهم, وهذه لم تباشرها الدول العربية بعد. الامر الثاني, فإنه في ظل هذاالوضع تصبح العصبية هي خط الدفاع الاخير, او القاع الذي لا قاع بعده, بالنسبة للفرد. فالافراد في المجتمعات العربية لا يعاملون لجهة النفوذ او المكانة الاجتماعية والسياسية, انطلاقا من ذواتهم كأفراد وانما تبعا لانتماءاتهم العصبية. ان الفرد المجرد لا قيمة له في المجتمع العربي, الا بقدر ما ينتمي الى عائلة او طائفة او دين او قومية معينة. وهذا الواقع يدفع الافراد الى التمسك بانتماءاتهم العصبية, والمحافظة عليها ومدها بأسباب البقاء والقوة. لأن كل منهم يعرف جيدا بحكم التجربة انه في المجتمع لا توجد قيمة للشهادات العلمية او الخبرة والكفاءة او المواهب والابداعات العقلية والذهنية.. القيمة الحقيقية هي للانتماء العصبي. ورحم الله عبدالرحمن بن خلدون الذي ادرك ذلك قبل اكثر من سبعة قرون. والحال انه اذا كانت العصبية هي من الحقائق القليلة الثابتة في الواقع العربي, فهل يجوز ان تنصح الناس بتركها او محاربتها؟ الاجابة هي بنعم ولا في الوقت نفسه. ينبغي ان ننصح الناس بترك العصبيات, لانها لا تتناسب مع القيم الحديثة التي اتت بها الحضارة المدنية. فالفرد في المجتمع الحديث ينبغي ان يسلك سلوكا ينسجم مع هذه القيم, اذا اراد ان يتقدم في حياته تقدما حقيقيا. وينبغي ان يكون معياره في الحكم على الدول والافراد هو معيار المواطنة والكفاءة واحترام الحريات, وليس على اساس العائلة او القبيلة او المذاهب او القومية او الدين. لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع ان ننصح هذا الفرد بأن يحارب عصبيته او يتخلى عنها. لاننا لن ننجح اولا في دعوتنا هذه, مادام ان المجتمع نفسه يقوم على اساس العصبية. ان هذا الفرد قد يقتنع بدعوتنا ويذهب في حياته نفس هذا المذهب. لكنه سيفاجأ في كل خطوة يخطوها في طريقه, ان ما سبق ان قلناه له لا وجود له على ارض الواقع. وربما عادت عليه قناعاته الجديدة بالضرر الجسيم. فهو سيكتشف ذلك سريعا من خلال وجوده في العمل على مقاعد الدراسة او من خلال الفرص المتاحة للترقي الاجتماعي والسياسي. ومن ثم فهو سيعود الينا ليقول بأننا خدعناه وضللناه, او في افضل الاحوال أننا سذج ومثاليون, ننادي بشيء, في حين ان الموجود في الواقع شيء آخر تماما. المشكلة هي اذن اننا نعرف ان العصبيات تنتمي الى المجتمعات القديمة, مجتمعات ما قبل الحداثة وهي تعرقل تطور المجتمع العربي, وتمنع وحدته وانسجامه لكننا في الوقت نفسه, لا نستطيع ان نطالب انسانًا بأن يتخلى عنها تماما. والا فنحن يجب ان نقدم له البديل الذي يحميه ويشعره بالامان والطمأنينة وهذا شيء لا احد يملكه او يضمنه في عموم بلداننا العربية. في الدول الديمقراطية المتقدمة مثلا لا يحتاج اي انسان لابقاء نفسه ضمن ربقة العصبيات التي انتهت تقريبا هناك. لأن القانون يوفر له الامان والطمأنينة. والقانون وحده قادر على انصافه ووضعه في المكانة التي تتيحها له امكانياته وكفاءته. اما في دولنا فعلى الرغم من ان القوانين قد تنص صراحة او ضمنيا على المساواة بين الافراد, على ان القانون هو المرجعية في التعامل بين الدولة ورعاياها, لكن في الواقع العملي فإن سطوة العصبيات هي اقوى دائما من سطوة القوانين. وليس ادل على ذلك من ان الناس (وبما في ذلك الدول ايضا) في الكثير من المجتمعات العربية لا تعرف الافراد الا من خلال انتمائهم لعائلة او منطقة او عصبية معينة. وهي تقربهم او تبعدهم تكافئهم او تعاقبهم على هذا الاساس. وخارج هذه الانتماءات يظل الفرد مجرد رقم لا قيمة له او وزن. وما دام هذا الواقع موجود ومستمر, فإن دعوة الانسان للتخلي عن عصبيته تصبح بمثابة دعوة لتجريده من وسائل دفاعه الفطرية والطبيعية التي تمنحها له الحياة بحكم الولادة والانتساب السلالي. ومن مميزات العصبيات في الواقع العربي انها عصبيات تكاد تكون مغلقة تقريبا ليس من السهل الدخول اليها او الخروج منها, الا بثمن باهظ. الى ذلك فإن الحروب الاهلية العربية (الواضح منها وهو قليل او المستتر وهو كثير), انما هي حرب بين العصبيات على تقاسم النفوذ والقوة داخل المجتمع الواحد, وهي انما سميت من باب الخطأ المقصود صراعات سياسية بهدف القفز على واقع العصبية والتشبه بما يحدث في المجتمعات المتقدمة ليس الا.. لكنها فشلت حتى الآن في اخفاء طابعها الحقيقي او ابراز صورتها الجديدة المزيفة. كاتب بحريني