شكل النفط واكتشافه وتسويقه دافعا اساسيا للتنمية في دول الخليج العربية فمنذ اكتشاف النفط وهو عنصر تنمية ودفع لدول الخليج. وقد شكل النفط ايضا مصدر تنمية للاطار العربي الاوسع, فمن خلاله تمت عملية تمويل مئات المشاريع التنموية في العالم العربي. ويمكن القول ان النفط شكل مرحلة بناء من حيث محو الامية ودفع المجتمعات الخليجية نحو آفاق جديدة من التعليم والثقافة. وقد شكل الاساس في توحيد صحارى وواحات الجزيرة المترامية النفط الذي دخل بمراحل تاريخية وترك اثاره خليجيا وعربيا طويلا, اذ يتوقع ان يبقى مخزونه لعقود مقبلة. ولكن المشكلة ليست في وجود النفط او عدم وجوده بل ستكون مشكلة المرحلة المقبلة والتي ستتطور ابعادها مع نهاية العقد في وقوع حالة انخفاض كبيرة في قيمة النفط الاستراتيجية مما سيترك دول المنطقة اسرى حالة جديدة, لهذا فإن لم يجري الاستعداد لمرحلة مقبلة تتطلب تنويع الاقتصاد وتغير طرق المعيشة والانتاج فإن المنطقة مقبلة على كارثة سياسية واقتصادية تأكل من وجودها ووحدتها وأمنها. ان التحدي الكبير الذي يواجه دول مجلس التعاون يتلخص بالاتي: امكانية ان تتحول الاكتشافات النفطية الجديدة التي تعم العالم من اسيا الى اوروبا الى قوة دفع تغرق السوق بسلعة نفطية تتجاوز حاجة السوق مما يؤدي الى انخفاض كبير في الاسعار!! ويضاف الى ذلك امكانية ان تتحول محاولات البحث عن بدائل نفطية الى قوة دفع بفضل محاولات شركات النفط وغيرها الاستثمار في الطاقة البديلة!! وبينما يمكن القول ان هذه اتجاهات قد يشهدها السوق في السنوات المقبلة يصبح السؤال الاهم كيف تخطط دول الخليج لحالة تنمية وتنويع مصادر تفي بمتطلبات مرحلة يتراجع النفط الوطني فيها عن كونه جوهر الاقتصاد واساس المدخول؟ ان التفكير الاستراتيجي لا يستطيع الا وان يتساءل عن المستقبل اذ تشكل هذه المواضيع مدخلا رئيسيا للاستعداد المصاعب التي تواجه المرحلة المقبلة. وكيفما نظرنا للوضع قد تكون حالة الارتفاع بأسعار النفط التي نشهدها هذه الايام هي اخر المراحل واخر الفترات التاريخية النفطية, والاخطر ان هذه المرحلة قد تترك اثارا مخدرة على عملية الاستعداد للمرحلة المقبلة التي ستشهد سيرا بالاتجاه المعاكس. فعملية البحث عن ابار نفطية جديدة قائمة بقوة في هذه المرحلة, كما وان الاكتشافات النفطية الجديدة في العالم سوف تفتح المجال لتطوير وتسويق مصادر اضافية للنفط. بمعنى اخر قد تكون الطفرة الاخيرة في الاسعار هي الدافع من قبل الدول المستهلكة لمزيد من المحاولات لاجراء واتباع سياسات تؤدي الى هبوط كبير في الاسعار. لهذا السؤال اليوم: كيف يمكن بناء البدائل التي تساهم في تنمية بعيدة الامد للدول النفطية بما يضمن حالة استقرار مالية تتجاوز هذه المرحلة؟ ان السعي للمدى البعيد يبدأ من الموقف الاتي: ان الهدف الرئيسي لدول النفط وعلى الاخص دول مجلس التعاون يجب ان يكون في بناء حالة قادرة على تأمين الاقتصاد والانتاج بما يضمن الاستمرار. بمعنى آخر كلما ازداد استقلال دول النفط عن الاعتماد على سلعة وحيدة ستتراجع قيمتها الاستراتيجية كلما كان ذلك افضل لاستيعاب احتياجات المستقبل الاقتصادية. ان تحقيق هذا الهدف الاقتصادي سوف يتطلب اتباع سياسات تبنى على السياسات الراهنة وتطورها ويتطلب بناء سياسات تذهب نحو مزيد من تبسيط الاجراءات وتغير العقلية التي تتحكم اولا بالعمل الحكومي المسيطر اليوم على آليات الاقتصاد والانتاج والتوظيف والتفكير والعمل. هذا يعني ضرورة احداث ثورة في القطاع الحكومي المهم. هذا القطاع يجب ان يخضع لاصلاحات تحيى عقيدة العمل فيه, ولاجراءات تدخل الى صفوفه التكنولوجيا الجديدة ووسائل الادارة والقيادة الجديدة والمنافسة ويجب العمل على تحويله الى مكان يشعر كل عامل فيه انه ينتج من اجل الصالح العام ومن اجل الخدمة العامة ومن اجل المستقبل وان يكافأ على اعماله وانتاجه. فمهما تحدثنا عن الخصخصة سوف يبقى القطاع الحكومي اساسيا, وسوف يتطلب هذا القطاع انتاجية اعلى, وهدر اقل وتركيز على الاهم ان اعادة احياء القطاع العام ودب روح الاصلاح فيه مدخل اساسي للمرحلة المقبلة. وسوف يعني هذا من جهة ثانية قوة الدفع التي تسمح للقطاع الخاص بالانطلاق, وفتح المجال لكل انواع الانتاج والابداع الاقتصادي. ان الاستثمار في تكنولوجيا المعرفة وفتح المجال للمجتمع ولفئاته وللافراد ولقدراتهم هو الجانب الآخر الملازم لاحياء دور القطاع العام, كما ان الاسراع في اجراءات اقتصادية تكاملية بين دول الخليج كله يساهم في البدائل الجديدة, ان التفكير بهذه القضايا والتخطيط لها ورصد الامكانيات من اجل تحقيقها اساس من اساسيات البحث عن مستقبل مختلف. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت