أيهما الكاذب: وزارة الخارجية الاسرائيلية ام رئاسة الجمهورية الجزائرية؟ السؤال مطروح في مناسبة زيارة وفد من صحفيين وأكاديميين جزائريين الى اسرائيل. فهل جرى ترتيب الزيارة بمعرفة وموافقة الحكومة الجزائرية؟ المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية افيف شيرون قال اولا ـ في تصريحات لوكالة انباء عالمية ـ ان في الوقت نفسه وما ان تناقلت وسائل الاعلام العالمية نبأ وصول الصحفيين والاكاديميين الجزائريين الى تل ابيب حتى اصدرت رئاسة الجمهورية في الجزائر بيانا ذا لهجة غاضبة انتقدت فيه الزيارة بشدة واصفة اعضاء الوفد الزائر بالخيانة. واذا كان ما يمكن استنباطه دون صعوبة في هذا البيان الحكومي الجزائري لم يكن لديها علم مسبق بأمر الزيارة فضلا عن اصدار موافقة رسمية عليها فاننا نكون قد عدنا الى السؤال اللغز: هل الكاذب في هذه الحالة هو الخارجية الاسرائيلية ام رئاسة الجمهورية الجزائرية؟ اذا لم نرد الحصول على اجابة فورية فان علينا ان ننتظر بضعة ايام حتى تنتهي الزيارة ويعود اولئك الصحفيون والاكاديميون الى الجزائر. حينئذ سوف نحصل على اجابة عملية تلقائية: فإما ان يتوجه كل من اعضاء الوفد الى منزله وأهله دون ان يعترضه أحد وتنتهي القصة عند هذا الحد. واما ان الحكومة الجزائرية تعني ما تقول بأن هؤلاء (خونة) .. وفي هذه الحالة فان المفترض ان يكون في انتظارهم بمطار الجزائر العاصمة فريق امني لاخذهم رأسا الى معتقل للاستجواب.. تمهيدا لتقديمهم الى محاكمة. ولكن لايزال هناك سؤال: كيف لا تعلم الأجهزة الحكومة الجزائرية ـ خاصة الاجهزة الامنية التي تحتكر فعليا نظام الحكم من وراء ستار ـ مسبقا بامر الزيارة وملابساتها؟ كيف يعقل الا تقف الأجهزة الامنية الجزائرية على اتصالات البريد او الهاتف او الفاكس التي قطعا كان (مكتب التمثيل) الاسرائيلي في الجزائر يجريها مع اعضاء الوفد بشأن توجيه الدعوة وترتيب تفاصيل الزيارة؟ وهل يعقل ان اعضاء الوفد غادروا مطار الجزائر دون ان يعرف رجال الامن وجهتهم؟ لقد نعت البيان الرسمي الجزائري هذه الزيارة بأنها (وصمة عار) . وجاء فيه ايضا انه (لا يمكن للشعب الجزائري ولا للحكومة قبول هذه الاهانة) . كلمات كبيرة.. اليس كذلك؟ ولكن لننتظر لنرى ماذا يحدث لدى عودة الوفد الى الجزائر. لقد كان من الممكن (تفهم) موقف رئاسة الجمهورية الجزائرية في مثل هذه الاحوال على ضوء ما يتردد من حين لاخر بأن المؤسسة العسكرية الجزائرية تتصرف في كثير من الاحيان باستقلالية عن رئيس الجمهورية. وعلى اساس هذه الفرضية كان من الممكن ان نفهم ان ترتيبات زيارة الوفد الصحفي الاكاديمي الى اسرائيل جرت بواسطة المؤسسة العسكرية واجهزتها الامنية دون علم رئاسة الجمهورية. لكن هناك اشارات صادرة عن رئيس الجمهورية شخصيا في اتجاه التوادد مع اسرائيل. من هذه الاشارات ما جرى في يوليو العام الماضي في العاصمة المغربية الرباط عندما جرت مصافحة بين الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ورئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك على هامش عملية تشييع الملك المغربي الراحل الحسن الثاني. وفي يونيو الحالي نذكر ان الرئيس الجزائري عقد اجتماعا مع ممثلي التنظيمات اليهودية في فرنسا على هامش زيارته الرسمية لتلك الدولة الاوروبية. كان اجتماعا وديا للغاية القى فيه بوتفليقة خطابا رحب فيه بعودة يهود الجزائر الى (وطنهم) . مع ذلك تستوقفنا اللهجة المتشددة لبيان رئاسة الجمهورية الجزائرية المشار اليه. في كلمات لا يشوبها اي تردد يصف البيان زيارة الوفد الجزائري الى اسرائيل بأنها تعتبر خيانة تجاه الشعب اللبناني الشقيق وطعنه في ظهر الشعب السوري الشقيق واحتقارا كاملا تجاه الشعب الفلسطيني المكافح الذي مازال وسيزال دائما حاضرا في ارواحنا وضمائرنا) . بازاء هذه الكلمات القوية فان المفترض ان الويل والثبور وعظائم الامور بانتظار اعضاء الوفد لدى عودتهم. فلننتظر لنرى ما اذا كانت الاجراءات سوف تكون في مستوى الكلمات ام انها مجرد كلام.