شتان بين الخمس الأخير من القرن التاسع عشر وبين نظيره في القرن العشرين . أن ثمانينات القرن التاسع عشر شهدت أنعقاد أسوأ وأخبث مؤتمر من نوعه هو مؤتمر برلين المعقود عام 1884 وحمل عنوانه الشهير: (التسابق - بمعنى التكالب - على افريقيا) ولقد جاء هذا المؤتمر مصداقا لقولة لينين الشهيرة بأن (الاستعمار هو أعلى مراحل الامبريالية) بمعنى أن أوروبا الغربية, وكانت مع العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر قد بلغت شأوا بعيد ا في كان لابد وأن تتطلع كل دولة فيها عبر حدودها بحثا عن خامات لزوم صناعاتها وأسواق لترويج منسوجاتها.. وجاءت ترجمة هذا التطلع على شكل حركة مدّ استعماري يهدف بغير مواربة الى استغلال مقدرات الشعوب خارج عالم الغرب ما بين المواد الأولية التي تدرها أقطارها وما بين العمالة الرخيصة الى حد السخرة والاسترقاق التي توفرها القوى البشرية بين ظهرانيها, وما بين الأسواق المتاحة, بل هي المفتوحة المستباحة التي تكفل امتصاص واستيعاب ما تنتجه عواصم الاستعمار - المتروبول من سلع في شتى المجالات. احتلال مصر وتونس لم يكن صدفة إذن - بالنسبة لعالمنا العربي على الأقل أن يسبق انعقاد مؤتمر برلين إياه احتلال مصر في عام 1882 واحتلال تونس في عام 1883. وقد تصدرت هاتان الحادثتان كلا من بريطانيا وفرنسا وظلتا في موقع الصدارة من حركة الاستعمار الحديث حيث امتلكتا المستعمرات في جنوب الشرق الآسيوي وفي المغرب العربي وفي وادي النيل وفي شرق أفريقيا وجنوبها ومناطق الغرب منها. بل عمدت كل من لندن وباريس الى نوع من (تقنين) هذه السيطرة الامبريالية - على مواقع الوطن العربي بالذات من خلال صكين تم التوصل اليهما وسط جو من التآمر والسرية وهما الاتفاق الموقع بين انجلترا وفرنسا عام 1904 وقد حمل وصف (الودي) لأنه أطلق يد فرنسا في أقطار المغرب في مقابل اطلاق يد انجلترا في أقطار المشرق ولكنه كان (عدائيا) وربما (كارثيا) بالنسبة لشعوب هذه المنطقة العربية ذات الأغلبية الاسلامية. وبعدها أتبعته القوتان العظيمتان وقتها باتفاق (سايكس - بيكو) الذي عاد ليجعل المنطقة ذاتها قسمة بينهما من حيث مواقع الاستغلال ومناطق السيطرة والنفوذ. عبقرية أديسون مع ذلك فلم يشأ القرن التاسع عشر أن يودع الدنيا والناس في عقديه الأخيرين إلا بمآثر تركها من أجل تقدم البشرية وكان في مقدمتها اكتشاف الكهرباء على يد الأمريكي العبقري توماس أديسون (توفي عام 1931) وبينما كانت جيوش الجنرال الانجليزي ولسلسي تشق طريقها لاحتلال القاهرة عام 1882 كان توماس أديسون يضع اللمسات البناءة الأخيرة على مركز توليد الطاقة الذي كان أول موقع يضاء بضوء الكهرباء اللامع الساحر لأول مرة في تاريخ الانسانية وفيما كان العقد الأخير من القرن التاسع عشر يستهل أيامه الأولى, كان توماس أديسون قد قدم الى الانسانية اختراعه العبقري الثاني وهو الفوتوغرافي آلة تسجيل الأصوات التي أحدثت يومها ما يشبه الثورة في مدركات الانسانية وفي وعيها الفكري بايقاع حياتها وتاريخ وحوادث هذه الحياة فوق كوكب الأرض, ومن بعده توالت مآثر أديسون الذي كان رائدا بدوره في التعامل مع ذبذبات الأثير توطئة لاكتشاف استخدام الأثير لصالح الاتصالات اللاسلكية.. هنالك أكمل المسيرة عبقري آخر هو ماركوني الايطالي الأصل الذي طور استخدام الموجات الكهرومغناطيسية وكان أن شهدت السنوات الخمس الأخيرة من القرن التاسع عشر (1895) ارسال أول بث في التاريخ عبر الموجة الطويلة بغير توصيلات أو أسلاك, وتطور الاستخدام بعد بعد ذلك بست سنوات الى أن جاء عام 1901 ليشهد انطلاقة بث رسالة اتصال لاسلكية, بين العالمين الجديد والقديم عبر المحيط الأطلسي.. ويشكل هذا الحدث بدوره استهلالا أكثر من واعد للقرن العشرين. عذابات ومنجزات وما بين لحظة الاستهلال وعقدي ختام القرن المذكور عايشت البشرية صنوفا من الانجازات (مابين ثورة الميديا واختراع البنسلين مثلا) وعانت البشرية ضروبا من العذابات (حروب عالمية وصراعات محلية وأهلية وقنابل ذرية وتدهور للبيئة وثورة لتوقعات البشر أعقبتها ثورة مضادة لاحباطات نفس البشر) وفي الخمس الأخير من القرن العشرين وقد أصبح يصدق عليه بداهة وصف القرن (الماضي) جاءت الثمانينات لتشهد أكبر معاناة كابدتها مجموعة الدول النامية وتجسدت في أزمة المديونية التي أمسكت بخناق تلك البلدان وجعلتها تسقط فريسة من براثن خدمة الديون ممثلة في فوائد باهظة تنور بها وبين ضرورات سداد أقساط أصول تلك الديون وإلا أصبحت فرجة بل أضحوكة أمام العالم حين يعلن القوم عجزها عن السداد وسقوط ملاءتها (جدارتها) الائتمانية ومن ثم إفلاسها ووقف التعامل معها من قريب أو بعيد .. من هنا شهد عقد الثمانينات الماضي دورا أكثر فاعلية, وأشد بروزا لمؤسسات (بريتون وودز) الشهيرة - وهي ثالوث أو منظومة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسة المالية الدولية بكل ما تحفل به هذه المنظومة من مرافق وخبراء وصناديق وحسابات وبرامج. القاهرة والبنك الدولي ولعل أول مواجهة سجلتها ذاكرة منتصف القرن العشرين بين البنك الدولي وبين دولة في العالم الثالث, كانت المواجهة بين القاهرة - الناصرية عام 1955 - 1956 وبين البنك الدولي. كان البنك قد عرض تمويل مشروع السد العالي الذي كان ولعله مازال المشروع الانمائي الرمز في مصر وقد أصبح - موضوعيا وعلميا - واحدا من أكبر 10 مشاريع انمائية عملاقة في العالم. لكن قاتل الله السياسة إذ تدخلت في سير مفاوضا ت عبدالناصر مع إيوجين بلاك رئيس البنك الدولي وقتها. وتحولت القضية من دراسات فنية ومعايير تقنية وحسابات مالية, الى مخططات سياسية عكف على رسمها وهدستها جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا في ذلك الوقت مما أفضى الى أن سحب البنك الدولي عرضه في تمويل السد العالي بل وحرص القوم على أن إعلان هذا السحب في توقيت حرج وباسلوب رأى فيه عبدالناصر مساسا بالكرامة الوطنية, فكان أن ردّ على هذه الإهانة باعلان تأميم قناة السويس والتماس المشاركة في تمويل السد العالي من المعسكر الاشتراكي بقيادة موسكو.. وليس صدفة أن يتم بناء السد العالي وأن يزوره عند أسوان سياسي أمريكي كبير هو ريتشارد نيكسون ويصرح بأن بلاده أخطأت حين لم تشارك في بناء السد, ولا كانت صدفة أيضا حين أعلن ايوجين بلاك رئيس البنك الدولي نفسه عن أسفه لأن المؤسسة المالية الدولية التي كان يرأسها أحجمت عن المشاركة - كما ألمحنا - في بناء سد أسوان العالي. ولقد مرت مياه كثيرة في النيل من خلال السد وانقضت السنوات الثلاثون على معاركه التي كانت قد استعرت عند منتصف الخمسينات, فإذا بدور جديد يعهد الى صندوق النقد الدولي وهو شقيق البنك الدولي, في محاولة قصدت الى علاج داء الاستدانة وم ومحاولة التغلب على أزمة المديونية الفادحة التي أصابت بالعلة اقتصاديات معظم, إن لم يكن جميع دول العالم الثالث النامية. وصفة صندوق النقد لاعجب أن تحمل مجموعة الحلول التي اقترحها صندوق النقد الدولي في ثمانينات القرن الماضي تعبير (وصفة) الصندوق في اشارة الى أنه سيجلس في مقعد الطبيب المداوي لعلاج آفة الاستدانة التي عصفت بحياة أمم كثيرة وشعوب في القارات النامية الثلاث. ولقد احتوت هذه_(الروشته) هذه الوصفة على عدة أدوية وعدة اجراءات فرضوها يومئذ على الاقتصادات المدينة, المريضة والفقيرة كان منها التعامل مع نادي لندن ونادي باريس وكان منها الاصغاء باحترام كلي الى مشروع السيد بريدي (الذي حمل اسم وزير خزانة أمريكا ومؤدي هذا كله هو تزويد الدول المدينة بأموال اضافية) يقصد بها تعويم اقتصادياتها وبث نوع من الحياة في شرايين ماليتها.. لماذا؟ .. حتى تصبح قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه السادة الدائنين. على أن أهم ما ورد في حزمة الاجراءات التي احتوتها وصفة صندوق النقد الدولي كان الاجراء الذي حمل الاسم الشهير (التكييف الهيكلي) وهو تكيف بمعنى أن على الدولة التي تأخذ به أن توائم اقتصادها وتجهد في تعديله لكي يتكيف مع أ وضاع الاقتصاد العالمي وقوانين السوق وهو هيكلي بمعنى أنه جوهري يؤدي الى تغييرات جذرية في أسس وهياكل النظام الاقتصادي ولا يقتصر على اجراءات مرحلية أو جزئية والمشكلة الخطيرة أن التكيف الهيكلي, وقد كان له وجاهته من ناحية العلم الاقتصادي, اقتضى انكماشا في الميزانيات وتقليصا للعجز المالي ومن ثم الغاء الأموال التي كانت لبعض الحكومات تدعم بها أسعار سلع وخدمات اساسية لصالح أفقر الفئات من شعوبا وأشدها حرمانا وتهميشا واستضعافا. العلاج والدواء والمشكلة الأخطر أن جاء تطبيق الاجراءات المالية الجديدة وبالضرورة على حسا ب هذه الفئات الفقيرة المستضعفة, حيث ارتفعت الأسعار وناءت بمغارمها أفقر القطاعات وانعدمت أو كادت فرص العمل التي كان يوفرها ولو من أجل سد الرمق في الماضي قطاع الدولة - الحكومي والعام وانخفضت بنود الميزانية التي كانت في السابق مرصودة لأغراض دعم الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية و..وهكذا أدت وصفة الصندوق الدولي الى مزيد من معاناة الناس .. وأصبح يصدق عليها قولة محللين كثيرين.. أن العلاج جاء أدهى وأقسى من المرض ذاته. وجاء ختام ثمانينات القرن العشرين ليشهد أمورا عجبا: * اجتماعات وزراء المال في الدول الصناعية المتقدمة وسط أضواء الفلاشات وهم في كامل اللياقة وتمام الأناقة. * انتشار المجاعات وتفشي أوضاع الحرمان والمسغبة وانهيار نوعية الحياة بالنسبة لملايين عدة من البشر. وفي هذا السياق, يقدر (المعهد الدولي لرصد أحوال العالم) أن 2.1 مليار انسان لايزالون فريسة للجوع (بمعنى أن لايجد البني آدم قوت يومه) وأن هناك 2.1 مليار أيضا من البشر يفتقرون الى المياه النظيفة لزوم الشرب قبل الاستحمام والتزلج على صفحة المياه. ضحايا الجوع والتخمة ومن أبلغ المفارقات أن هذه الأوضاع من الجوع في بلدان شديدة الفقر ومن سوء التغذية في بلدان أقل فقرا إنما تجاوبها في البلدان الصناعية الكبرى مشكلة مناظرة هي مشكلة الافراط في التغذية حتى لتصدق على هذه الحالة كلمة شهيرة صدرت يوما عن أحد شيوخ الأزهر الشريف سنة 1951 وهي: ( تقتير هنا واسراف هناك) وكان الشيخ الجليل ينقد خلل الأولويات بين التقتير في الصرف على معاهدة العلم الأزهرية والاسراف وقتها في مخصصات ملك مصر السابق فاروق, ولكن مازالت كلمته البليغة تصدق على الجوع وسوء التغذية في جنوب العالم النامي, الفقير والمتخلف في مقابل التخمة والافراط في التغذية الى حد المرض في شمال وغرب العالم الصناعي المترف المتقدم وخاصة في أمريكا التي بات أطباؤها يحذرون من زيادة الوزن المتفشية بين شرائح ومجموعات ومجموعات عمرية شتى من سكانها حتى الأطفال, الأمر الذي اضطر هذه الشرائح الى اجراء 400 ألف عملية شفط الدهون لانقاص الوزن في عام 1999 وحده حسب تقديرات المعهد الدولي لرصد أحوال العالم الذي ألمحنا اليه في سابق السطور. على هذه النغمة من تناقص التقتير هنا .. والاسراف هناك.. وقف العالم على أعتاب الألفية الثالثة.