بين عشية وضحاها حقيقة لامجازا, تحول جيش العملاء في جنوب لبنان المحرر الى فلول هائمة لاتدري أين المفر , وكما أثار هذا الجيش ـالذي كاد ذات مرحلة يمسي دويلة ـ جدلا عن دوره وآفاقه المستقبلية في زمن الاحتلال, فإنه اليوم موضوع لحوار ظاهر وخفي يدور حول كيفية التصرف مع عناصره بعد التحرير؟ في ضوء عوامل بالغة التعقيد, لاتبدو الاجابة عن هذا السؤال قضية سهلة الحسم, وهكذا فانه بدلا من وقوع عبء المعاناة على العملاء وحدهم, نجد أن مصيرهم يوشك أن يكون مصدرا للقلق السياسي والأخلاقي بين يدي المعنيين بقرار التصرف معهم. والواقع أن جيش سعد حداد الذي ورث زعامته أنطوان لحد, ليس بدعا من نماذج للعمالة يحفل بها تاريخ الصراعات ولعله من اليسير بمكان تكوين نظرية متكاملة حول العمالة بالنظر لتوتر الأمثلة والنماذج على صعيد عالمي. غير أنه حتى في اطار نظرية كهذه, يمكن في تقديرنا العثور على أنماط فرعية وتصنيفات للعملاء. التباين في هذا السياق يتعلق إما بحجم شريحة العملاء أو بطبيعة انتماءاتهم المحلية (جهويا وطائفيا وفكريا) أو بحجم الخراب الذي يتسببون فيه لأمتهم... الخ. على أننا نود لفت النظر الى تصنيف للعملاء قد يبدو طريفا بعض الشئ, وذلك بالاستناد الى مناسبة جيش جنوب لبنان وسلوك القوى الضالعة فيه .. فثمة ما يدعو لتنميط العملاء بحسب (مستوى فطنتهم السياسية وذكائهم) وتظهر تجليات هذا التبويب, بالنظر الى استقراء الأسلوب الذي لجأت اليه قوى بعينها من المحيط اللبناني في مقاربتها لغزوتين يفصل بينهما نحو قرنين من الزمن. فأثناء حملته على الشام وحصاره لعكا, توجه (نابليون بونابرت) بخطاب طائفي حاول به استنفار مسيحيي الشرق لمناصرته في مشروعه الأوروبي بزعم تحريرهم من السلطنة العثمانية, تحت ستار أن فرنسا هي الحامية الأولى للنصارى والمسيحيين في هذه المنطقة. ويمضي (مسعود ضاهر) في كتابه (النهضة العربية والنهضة اليابانية الى أن معظم مسيحي الشرق رفضوا هذا الخطاب, ولاسيما وأن ذاكرتهم كانت تعي الويلات التي لحقت بهم من جراء الحروب الصليبية. وحينما آثرت بعض الأسر المارونية ارسال مساعدات الى نابليون, تصدت لها أسر أخرى, بما أوصل الى صدام دموي, نجح عقلاء أسر ثالثة في حصره وعدم تحويله الى قتال طائفي مفتوح في جبل لبنان. لم يبد معظم قيادات الطوائف المسيحية في منطقة الشام حماسا للمشروع الفرنسي, رغم أن هؤلاء كانوا للحقيقة متضررين من حكم أحمد باشا الجزار المحاصر في عكا وكان ذلك التصرف منهم يعكس تقديرات بالغة الحنكة. فهم من ناحية, توجسوا خوفا من تجدد الحملات الصليبية التي ساهمت في توتير العلاقات التاريخية الممتدة بين الطوائف المسيحية ذاتها, فضلا عن تسمم العلاقة مع جميع المسلمين لقد تذكروا كيف أنهم لم يحصدوا من حروب الفرنجة الأولى سوى القتل والتهجير وتدمير القرى وعدم الشعور بالأمن والاستقرار, ثم أن مسيحيي الشرق, ومعهم بعض مواطنيهم المسلمين, آثروا من ناحية أخرى (الانتظار والتريث لمعرفة ما سيسفر عنه حصار عكا حتى يتخذوا موقفا يؤمن مصالحهم بالدرجة الأولى) وهذا هو مبعث وصف تصرفهم بالحكمة السياسية, حتى وهم تراودهم فكرة التعاون مع الغازي والميل له في غمرة الصراع. لقد وضع هؤلاء عينا على الماضي يستلهمون عبرته, وتطلعوا بالعين الأخرى الى المستقبل يتوقعونه وكان قراراهم بعد هذا التدبر ألا يتخذوا موقفا من الجزار قبل التأكد من هزيمته على يد نابليون, ولم يشاركوا في دعم الجيش الغازي على أساس أن جيشا لايستطيع احتلال قلعة قريبة من مراكز نموية في مصر, سيعجز بالتأكيد عن احتلال قلاع محصنة داخل الشام بعيدا عن مصر, وعلى مقربة من مركز السلطنة العثمانية. كانت القوى المرشحة للعمالة والاستتباع للمستعمر ـ على الأقل من وجهة نظر نابليون ـ من الذكاء وحسن التدبير, بحيث رفض قياديوها الانخراط في معركة ضد الجزار تؤدي بهم الى الموت المحتم, في حال فشل الغزاة الفرنسيين في احتلال عكا أو تراجعوا عن حصارها. أين هؤلاء من عملاء اليوم الذين عجلوا بالالتحاق بالعدو الصهيوني بعد حسابات خائبة, إن كانوا أجروا أي حسابات من الأصل, ونزعم أن أصحاب جيش لبنان الجنوبي قد أخذوا بموازين القوى العسكرية التقليدية المجردة بين اسرائيل ولبنان, وربما بينها وبين العرب جميعا, وهي مقارنة ساقتهم الى توقع استمرار السيطرة الاسرائيلية, ومن ثم, العيش الرغد في كنف حمايتها. وبمنظور أكثر شمولية وعمقا, كان هذا التقدير ولايزال عاجزا عن التعريف الحقيقي بموازين القوى بين الغزوة الصهيونية وبين المحيط الحضاري العربي الاسلامي, وليس من تفسير لعدم وقوع عملاء الأمس, إبان غزوة نابليون في محظور المقارنة المحدودة الأفق الذي حرك عملاء اليوم في الاتجاه الخطأ, سوى أن الأجداد كانوا أكثر حنكة من الأحفاد فقد كانت حملة نابليون أقوى عسكريا بكثير من الجزار وأنصاره, ومع ذلك أمعن المرشحون للتعاون معها محليا النظر, وآثروا جانب الحذر, ولم يغرهم حتى سقوط مصر بقضها وقضيضها ووقوف نابليون على أبواب عكا. هناك أمور كثيرة عبر السابقون في أمتنا العربية عن ملكات ابداعية أر قى في معالجتها مقارنة باللاحقين.. ولو جاز التفكه في اطار القضية التي نحن بصددها في هذا المقام, لأمكن القول بأنه حتى معرض العمالة واحتمال تعاون البعض مع المستعمرين, كان الأجداد أكثر حكمة من الأحفاد!! كاتب فلسطيني ـ القاهرة