افضل من حلل ظاهرة العولمة ونظر لها نظرة النقد والتمحيص, لا نظرة الخائف او نظرة المنبهر هو الصديق العالم المهندس عبدالحي زلوم. وقد خلص في كتابه كما اوضحنا في مقالنا الاول الى ان العالم محكوم من قبل طبقة الواحد في المئة اي الطبقة التي تلغي تلقائيا 99 بالمئة من الناس وتتحكم في 80 بالمئة من ثروات العالم وذلك حين تمسك ـ لا بالدولة ـ ولكن بينابيع الثروة اي الشركات عابرة القارات وبالمصارف الكبرى وتقوم بالمضاربات ـ التقليدية ونتطرق في هذا المقال الى الحقيقة الثانية الكبرى التي توصل لها صاحب الكتاب وهي ان المجتمعات المعلوماتية المعلنة منذ بداية التسعينيات تحولت الى مجتمعات معلوماتية اي اساسها الحقيقي هي الرأسمالية المعلوماتية المالية Info finacial capitalism وما معناه ان السلطة اليوم هي بين ايد تمسك في الوقت نفسه بالثروة المالية وبالقدرة الاعلامية ـ او المعلوماتية ـ ولذلك لا نتعجب ان يسبقنا اليهود منذ عقد الخمسينيات الى التخطيط العالمي لاختراق صروح المال اي البنوك والربا بشتى اصنافه واختراق قلاع الاعلام اي الصحف والاذاعات والمحطات التلفزيونية ثم اليوم الفضائيات وشبكات الاتصال الالكتروني فاليهود في العالم سبقوا العرب بنصف قرن في التمهيد لامتلاك القوة نحو هدف محدد هو اقرار السلطة المعلوماتية Info financial power واخضاع العالم بأسره لهذه السلطة اما بجر الحكومات التي تنصاع للحلول الملائمة للصهيونية او بغسيل العقول بواسطة الاعلام ووسائل الاتصال. ان عدد الشركات المالكة لوسائل المال والاتصال في امريكا هي عشرون شركة كبرى, كان عددها في السبعينيات حوالي المئة, تمت عمليات توحيدها واندماجها لتتعملق وتحتكر واصبح ـ كما يقول زلوم ـ عشرون رجلا وامرأة يتحكمون في توجيه العقول والاذهان بالاعلام وتوجيه رؤوس الاموال والثروات بالمصارف. وبعد ذلك فمن هو ـ او ما هو ـ مركز السلطة الحقيقية في الولايات المتحدة الامريكية؟ هل هو الرئيس كلينتون؟ هل هو الكونجرس؟ لا بل هؤلاء العشرون الذين يصنعون الرؤساء. وفي هذه الانتخابات الرئاسية الاخيرة كنموذج حصل المرشح / ليندل لاروش على 23 بالمئة في اصوات اركنساس... لكن الجهاز المعلوماتي الامريكي حول تلك الاصوات لفائدة آل جور والحزب الديمقراطي بصورة آلية, دون ان يستشار الناخبون الامريكان... وحكمت المحكمة الابتدائية بأن اصوات الناخبين الذين صوتوا لليندل لاروس لابد ان يستفيد منها ال جور!! فهذه السلطة المعلوماتية يمكن كذلك على الصعيد الدولي ان تشن حروبا اقوى واعتى من الحروب النووية لانها حروب غير مرئية Virtual تهز الانظمة وتزلزل المجتمعات وتعلن افلاس الدول وتسقط الحكام وتنصب آخرين مثلما تفعل في دول افريقية او اسيوية عديدة. يكفي ان يتفق اقطاب الرأسمالية المعلوماتية على امر حتى ينجزوه. بأقل ما يمكن من المصاريف والضحايا والعواطف. فالمضاربون الماليون يجلسون امام اجهزة الكمبيوتر وبامكانهم مثلا ان يخفضوا العملة الاندونيسية او الماليزية او التركية او الباكستانية بسحب الاستثمارات او بتجفيف منابع السياحة او بخفض اسعار المواد الاولية كالنحاس او الكوبالت او حتى التبغ والكاكاو. وتتحول دول مستقرة الى دول مهزوزة وهشة قابلة للانفجار في اي حين. وبالطبع فإن الجهاز الاعلامي جاهز لتجميل الحرب وتقديمها في شكل انقلاب عسكري او تحول سياسي مدني او حتى تدخل الناتو او الامم المتحدة لاسباب حماية السلام والديمقراطية في العالم. لقد اكتشفت طبقة المعلوماتية الجديدة بأن الشكل الاستعماري القديم للهيمنة لم يعد يفي بالغرض بالاضافة الى انه مكلف ومحمل بالاخطار ولم يعد يناسب ذوق العصر وثقافة العولمة. ان عصر المعلوماتية عصر مغشوش., فالمفاهيم والصور والاحداث هي التي تكيف العقول وتغرس المعتقدات والمبادىء لأنها بكل بساطة تقدم اشباه الحقائق وترشح اشباه الزعماء لحكم العالم وتصرف للناس اشباه البضائع وتعلم الاطفال اشباه اللعب من خلال السي دي روم والالعاب الالكترونية. نحن اذن نعيش عصر الاشباه والتضليل والتمويه... حتى القيم الانسانية ذات الطابع العالمي أصبحت مهددة بالغش كما هو الامر في مؤتمرات تعقد تحت اشراف منظمة الامم المتحدة حول الاسرة والسكان وتنظيم النسل وحقوق المرأة وهي كلما تروج لنموذج المجتمع المعلوماتي المقبل دون اي اعتبار للاديان والتقاليد والقيم كالروحية التي صنعت الى حد اليوم هويات الامم. كل المجتمعات مدعوة للانصهار في بوتقة النظام الامريكي ـ المعلوماتي ـ لا النظام السياسي او العسكري فحسب بل الثقافي ومنظومة العلاقات الاجتماعية واللغة والمعتقدات حتى الدينية منها وهذا هو خطر العولمة المعلوماتية. ان كتاب (نذر العولمة) يدعونا للتفكير واعمال البصيرة كعرب ومسلمين حتى نكون مثل اليابانيين الذين اصبحت جامعاتهم تخط بدراساتها العلمية للنجاة من هذا الخطر الداهم... ونحن العرب والمسلمون في غفلة تاريخية مستمرة منذ نصف قرن. ولنا عودة لهذا الكتاب القيم.