تكرس الزيارة التي قام بها العاهل المغربي محمد السادس ما بين 20و23 مايو الحالي لواشنطن حقبة طويلة من العلاقات ثم تدشينها باتفاقية مراكش التي سجلت سبق الاعترف المغربي باستقلال الولايات المتحدة وذلك من خلال توقيع معاهدة الصداقة والاخوة في يونيو 1786, وهي المعاهدة التي اعتبرها اغلب المحللين, ومن بينهم جون ديميس الاستاذ الحالي بجامعة بورتلاند, واحد المتخصصين في قضايا المغرب بأنها المعاهدة المستديمة في التاريخ الدبلوماسي لامريكا وبفعل ذلك فقد اتسمت هذه العلاقات بطابع خاص مكنها من المحافظة على الاستمرارية رغم عبورها لبعض الاجواء التي افرزت نوعا من الاختلاف, كما هو الامر عندما اقدم المغرب في عام 1984 على ابرام معاهدة الاتحاد العربي الافريقي مع الجماهيرية الليبية التي تعتبر العدو اللدود للولايات المتحدة. ورغم عدم ارتياح الادارة الامريكية لتلك المعاهدة, فإنها تفهمت دواعيها اعتبارا للتحديات التي كان يواجهها المغرب بفعل قضية الصحراء وفي الواقع, فقد خضعت العلاقات بين البلدين لعدة مؤثرات عبر المرحلة السالفة عكست من جهة تطور مكانة الدولتين في النظام الدولي, حيث تمكنت الولايات المتحدة في ظرف وحيز من الانتقال من كيان يدافع عن وجوده واستقلاله الى قوة عظمى وقائدة لهذا النظام بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. في حين يسعى المغرب بعد استرجاع استقلاله الى مواجهة تحديات التنمية وتحسين موقعه, ومن جهة اخرى اختلاف مصالحها بفعل هذه المكانة فبفعل موقعها المهيمن في النظام الدولي تدافع الولايات المتحدة عن مصالح كونية تفرض عليها نهج استراتيجية عالمية, في حين تقتصر المصالح المغربية على ضمان استقرار المجال الاقليمي الذي تنتمي اليه فضلا عن ذلك فإن الثقافة السياسية تكيف مسيرة كل طرف, وان كانا يتفقان على المرجعية الليبرالية كاسلوب لادارة شئون الافراد والتناقضات التي تعتريها وبالرغم من عناصر الجذب المشتركة فإن ذلك لا يلغي مظاهر الاختلاف التي نتلمسها بوضوح عند استقراء تطور هذه العلاقة في مراحلها المختلفة دون ان يصل ذلك الى النيل منها. فالشعور الشعبي المناهض للسياسة الامريكية خلال ازمة الخليج الثانية تم تجاوزه بفعل السياسة المتوازنة التي تبناها المسئولون المغاربة.. واذا اقتصرنا فقط على فترة الرئيس الحالي كلينتون التي تستمر منذ ثماني سنوات تقريبا لا يمكن الا ان نسجل ترسيخ مظاهر الصداقة والتعاون بين الدولتين. وقد يعزى ذلك الى ثلاثة عوامل اساسية منها ما هو مرتبط بتوجهات السياسة الخارجية المغربية التي تكرست طيلة حكم الراحل الملك الحسن الثاني, والتي نسجت علاقات متميزة مع الغرب ارتكازا على كونه يجسد الاختيارات الليبرالية التي ظل الخطاب الرسمي يشاطرها مركزا على الواقعية والاعتدال في التعامل مع المحيط الدولي. وفي هذا الصدد يمكن ان نلاحظ ان الاصلاحات الديمقراطية والتحسينات التي عرفها مجال حقوق الانسان في المغرب طيلة التسعينيات قد ساهمت في تحسين صورته لدى المسئولين الامريكين وثانيها سياسة دعم الحوار بين العرب واسرائيل التي نهجها الملك الراحل لايجاد تسوية لهذا النزاع الذي يعتبر من الهواجس المركزية في السياسة الامريكية بحكم تداعياته والدور الاسرائيلي. فمن المعروف ان الملك الراحل قد ساهم منذ بداية السبعينيات في تجسير الفجوة بين العرب واسرائيل من خلال احتضان مجموعة من اللقاءات بين شخصيات نافذة تنتمي لهما. كما ساعد على زيارة الرئيس الراحل السادات الى القدس, وبارك اتفاقية كامب ديفيد, وان كان قد اضطر الى مساندة الاجراءات العربية المتخذة ضد مصر في اعقاب الاتفاقية المذكورة. لقد كان من الطبيعي ان تجد هذه الممارسة مساندة لدى الدوائر الامريكية التي تعانق المقاربة نفسها. واخيرا يكمن العنصر الثالث في الارتياح الذي خلفته حكومة التناوب باعتبارها تجربة رائدة في العالم العربي, والتي من شأنها ان تساهم في مسلسل الاصلاح لا سيما في المجال الاقتصادي الذي يعتبره المسئولون الامريكيون شرطا لا مناص منه لاخراج الاقتصاد الوطني من الاختناقات التي يواجهها. وقد تدعم هذا العنصر بارتقاء جلالة الملك محمد السادس العرش اثر وفاة والده في يوليو الماضي. وبفعل قراراته الداعمة لحقوق الانسان والهادفة الى تصفية ارث الماضي كما هو الامر بالنسبة للسماح للمعارض ابراهام السرفاتي من الرجوع الى بلده بعد ان سبق طرده في العهد السابق وكذلك تخصيص 4 مليون دولار لتعويض ضحايا الاعتقال السياسي والاختطاف. علاوة على رفع الاقامة الاجبارية المفروضة منذ سنوات على المعارض الاسلامي الشيخ عبدالسلام ياسين, والتطلع الى محاربة الفساد المستشري والذي اعتبر من رموزه البارزة وزير الداخلية السابق الذي تم استبعاده من منصبه منذ بضعة شهور, وكذلك البحث عن حلول للمعضلة الاجتماعية, فإن الملك يحظى برصيد واسع من التعاطف والاعجاب تلمسناه من خلال زيارتنا الاخيرة للولايات المتحدة سواء لدى بعض المسئولين الرسميين او الاكاديميين المتتبعين لتطورات المغرب. لذلك يمكن القول ان الزيارة الملكية تمت في ظرفية يسودها مناخ ايجابي ساهم الرئيس الامريكي في اعطائه رصيدا رمزيا لدى المغاربة بعد اصراره على المشي طيلة الجنازة وراء نعش الملك الراحل ومن ثم فإن العلاقات السياسية التي تطرقت اليها محادثات قائدي البلدين لا يمكن الا ان تفرز تشابها في مقاربة الطرفين للقضايا التي يطرحها النظام الدولي والتي تفتح اكثر من اي وقت مضى آفاقا مشجعة لايجاد تسوية لها كما هو الامر بالنسبة لقضية الشرق الاوسط, او الملفات العالقة في القارة الافريقية. علاوة على ذلك, فإن التعاون العسكري الذي يتوخى البحث عن سبل دعم الاستقرار الاقليمي قد يعرف مزيدا من التطور, ولا سيما في مجال الاستفادة من الخبرة العسكرية الامريكية. فمن المعروف ان العلاقات العسكرية المغربية الامريكية جد وثيقة سواء على مستوى تزود القوات المغربية بالاسلحة الامريكية, ولا سيما في مجال الطيران او فيما يتعلق بالتدريبات التي يقوم بها ضباط مغاربة في مختلف المعاهد والمراكز العسكرية الامريكية بل اكثر من ذلك فإن القوات المغربية موجودة الى جانب القوات الامريكية والدولية لحفظ السلم في البوسنة وكوسوفو ويبقى في اعتقادنا ان اهم ملفين يستاثران باهتمام المغرب انما ينصبان حول مجالات التعاون الاقتصادي والدور الامريكي الممكن في تسوية قضية الصحراء المغربية. في المجال الاول يتفق الكل ومن بينهم الملك الحسن الثاني على ان معادلة التعاون المغربي الامريكي ما زالت تعطي الانطباع الاحادي النزعة بحيث انه بقدر امتياز العلاقات السياسية, تبقى العلاقات الاقتصادية بين الطرفين محدودة. وتؤكد الارقام المتوفرة هذه المعاينة, فخلال سنة 1999 بلغت الصادرات المغربية للولايات المتحدة 420 مليون دولار, وهي بالاساس من الفوسفات ومشتقاته ومصبيرات السمك والملابس الجاهزة والمنتجات الفلاحية. في حين تبقى الولايات المتحدة اول مزود للمغرب بالتجهيزات الخاصة بالطيران حيث انها تمثل 97% من هذا النوع من الواردات. وفي السياق نفسه فقد بلغت الاستثمارات الامريكية في المغرب 350 مليون دولار في سنة 1997. وهو رقم قياسي يبقى بحاجة الى التصاعد. ولتغيير هذا الاتجاه فإن مجموعة من المبادرات قد تمت في هذا الشأن خلال السنوات الماضية, وبالضبط خلال الزيارة التي قام بها العاهل الراحل لواشنطن في سنة 1995 حيث تم توقيع اتفاقية الاطار المتعلقة بالتجارة والاستثمار, وكذلك إحداث المجلس المغربي الامريكي للتجارة والاستثمار بغية تشجيع الاستثمارات الامريكية بالمغرب, والمبادلات بين الدولتين علاوة على ذلك فقد سجلت الحركة التبادلية بين البلدين نموا لا يمكن تجاهله سواء فيما يتعلق بالواردات او الصادرات. الا ان ذلك لا ينفي ان الولايات المتحدة لا تمثل الا الزبون السابع للمغرب. ويمكن تفسير هذه الوضعية بمعطيين: يتعلق الاول باستمرار عزوف المستثمرين الامريكين عن الاقبال على المغرب بفعل امكانيات السوق المحدودة بشريا وماديا وكذلك بفعل المنافسة الشرسة التي تمارسها خاصة الاسواق الصاعدة, والتي تتوفر على قاعدة صلبة لجلب الاستثمارات, وثانيها صعوبة اختراق السوق الامريكية بفعل الشروط المرتبطة بالجودة والاسعار التي يفرضها. ومساعدات على شاكلة بعض الاقطار التي يمكن ان نذكر من بينها اسرائيل ومصر وتركيا الخ.. فلحد الساعة ما يستفيد منه المغرب لا يساير عمق العلاقات بين الدولتين ولا الادوار التي يقوم بها. ومن جهة اخرى جلب الاستثمارات الامريكية للقيام بمشاريع تسمح بمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الصدد يمكن ان نلاحظ بحكم ميكانيزمات الاقتصاد الامريكي ان الامر ليس رهينا فقط بارادة سياسية, فخطاب المسئولين الامريكيين يؤكد على مزيد من الاصلاحات سواء منها المتعلقة بالبنيات الاساسية او القانونية او الادارية حتى يتمكن المغرب من اغراء المستثمر الامريكي وبالتالي تبديد قلقه من المخاطر المحتملة للاستثمار الذي يقوم به وبحكم الدور الحيوي والمستقل للقطاع الخاص في الولايات المتحدة وكذلك التنافسية الهائلة لمختلف الاقتصاديات العالمية التي تسعى الى اقتناص الاستثمارات فإن هامش الادارة الامريكية في توجيه الاستثمار يبقى خاضعا لهذا المنطق. ومن ثم فإن المبادرة الحكومية المهمة قد تجلت فيما عرف بمبادرة ايزنشتات, وهي التي اطلقها في ابريل 1998 والتي ترتكز على انماء شراكة امريكية مغاربية (تضم فقط المغرب والجزائر وتونس) يساهم فيها القطاع الخاص بقسط وافر من خلال الاستفادة من الفرص المتصاعدة في المنطقة, وتدعيم الاصلاحات الهيكلية لاقتصاديات هذه الدول في اتجاه تحريرها. فهذه المبادرة تستجيب لمتطلبين: الاول يكمن في خلق سوق واسعة قد تضم قرابة سبعين مليون مستهلك بدل الاقتصار على مستهلكين من كل دولة على حدة والثاني يكرس الدور الحيوي للقطاع الخاص في خلق هذه الدينامية في المنطقة. بيد ان هذ المبادرة تبقى في عمقها مربوطة بتحسن العلاقات بين الدول المغاربية. وهو الامر الذي لم يتحقق بعد. ومن ثم فإن هذه المبادرة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع حتى لا تبقى محدودة الفعالية. ماذا يمكن للولايات المتحدة فعله في قضية الصحراء بوصفها عضوا دائما في مجلس الامن, واعتبارا ايضا لكون المبعوث الخاص للامين العام في الصحراء جيمس بيكر هو مسئول امريكي سابق تقلد عدة مناصب سامية, ولا ريب في انه لا يتجاهل تصور بلاده لصيرورة هذا الملف؟ هذا هو السؤال الذي يستأثر باهتمام الرأي العام المغربي بفعل تبعات هذا الملف, والاعباء التي تلقيها على الاقتصاد المغربي, وعلى الاستقرار في المنطقة برمتها من الواضح ان الموقف الامريكي محكوم بالكثير من المحددات من بينها نوعية المصالح مع دول المنطقة ولا سيما الجزائر التي تسعى الى اكتساب ودها. فمن الواضح ان مسلسل الاصلاحات التي يتطلع الى تحقيقه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة قد يستهوي المؤسسات الاقتصادية الامريكية بفعل الثروات البترولية والغازية التي تتوفر عليها الجزائر علاوة على ذلك المحافظة على استقرار دول المنطقة وخاصة المغرب, فمن الممكن الاستنتاج ان الادارة الامريكية لا ترحب باستفتاء قد يجر الاطراف الى تعقيدات لا يمكن تجاوزها بسهولة, ومن ثم فإن المنظور الامريكي يبقى مساندا لمخطط التسوية الذي اقترحته الامم المتحدة على اساس التزام الاطراف المعنية بمقتضياته لكن العراقيل المتعددة التي اصطدم بها هذا المسلسل ولدت الاقتناع بصعوبة اجرائه. فمنذ اكثر من اثني عشر عاما على توقيع الاتفاق القاضي بتنظيم الاستفتاء بين المغرب والبوليزاريو ما فتئ هذا الاستحقاق يتأجل بفعل الصعوبات التي تبرز باستمرار, وبناء على ذلك بات الحديث جاريا حول ما سمي بالحل الثالث, وهو الموضوع الذي يظل غامضا في غياب الشفافية حول المقترحات التي يمكن ان يكون المبعوث الأممي قد قدمها للأطراف التي اجتمعت في لندن, و في انتظار تفاصيل أكثر دقة في سياق الاجتماع المقبل المقرر عقده في 28 من هذا الشهر, فإن المغرب ينتظر من الولايات المتحدة المساهمة في تسوية تكرس سيادة المغرب على صحرائه في ظل ترتيبات تصب في هذا المنحى, وقد لا يتسنى ذلك بدون تشجيع حوار مغربي جزائري قمين بحل الكثير من الخلافات التي تعرفها المنطقة, فالولايات المتحدة لا تستطيع لوحدها ان تفرض تسوية نهائية, ولكن بامكانها ان تمارس تأثيرها للدفع بجدية نحو تسوية قد تسمح لدول المنطقة بالحكم بانعكاسات الاستفتاء المقرر.