زار الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة فرنسا الأيام الماضية بهدف تفعيل العلاقات بين الجزائر وفرنسا المكهربة منذ اندلاع الأزمة الجزائرية في بداية عقد التسعينيات حيث عرفت العلاقات الثنائية ترديا في ظل اتهامات جزائرية لفرنسا بدعم الارهاب واتهامات فرنسية للجزائر ، بضرب الديمقراطية وهكذا دخل العنف والارهاب عاملين أساسيين في تشكيل ملامح صعود وهبوط العلاقات بين الجزائر وفرنسا خلال السنوات العشر الماضية. وخلال هذه السنوات وظفت باريس سياستها الخارجية وأجهزة اعلامها كأداتين للتدخل في شئون الجزائر الداخلية وتشويه سمعتها الدولية, بل انها أغلقت قنصلياتها ومكاتب خطوطها الجوية في الجزائر باسم الضرورات والاجراءات الأمنية, إلا ان الجزائر اعتبرت ان ما أقدمت عليه فرنسا يعتبر تصرفا غير قانوني أصدرته دولة تدعي انها تحترم مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة الدول الأخرى, ولا تزال تعتبر نفسها (وصية) على مقاطعاتها الاستعمارية سابقا وعلى رأسها الجزائر التي حاولت فرنسا جاهدة الحفاظ عليها تحت سيادتها لأنها تعرف ما تتمتع به الجزائر من موقع استراتيجي وثروات باطنية كبيرة رغبت فرنسا في ان تبقى هذه المصادر تحت تصرفها المباشر. كما ان العديد من السياسيين الفرنسيين لا يزال يستذكر انتصارات حرب التحرير الجزائرية والتي خرجت منها فرنسا بقيادة الجنرال ديجول مهزومة معنويا بعد 132 عاما من استعمارها لشعب نال حريته بالحديد والنار. وهكذا عندما دخلت الجزائر في مرحلة من اللااستقرار السياسي والأمني (بعد توقف المسار الانتخابي عام 1991) كانت فرنساأول دولة أوروبية سعت إلى صب الزيت على النار, وراحت تتهم السلطات الجزائرية بالضلوع في اعمال العنف التي حصدت الآلاف من المدنيين الأبرياء, وراحت تنشر أيضا اخبارا مضللة عن عدد القتلى على ظهر صفحاتها الأولى, وكان الهدف من وراء ذلك هو تشويه سمعة الجزائر الدولية التي اكتسبتها بعد ان نالت استقلالها يكفي ان صوتها كان مسموعا ومحترما لدى الدول والمحافل الدولية, فكانت توظف مكانتها الدولية بالتوسط في قضايا ونزاعات دولية معقدة كقضية الرهائن الأمريكان الذين احتجزوا في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 ونجحت الجزائر في حل القضية بالطرق السلمية وهي لا تمتلك لا القوة العسكرية ولا القوة الاقتصادية التي تتمتع بها فرنسا, ولكنها نجحت في جميع وساطاتها لأنها تمتلك الرصيد الثوري وتستند إلى مبادئ ثابتة في تعاملاتها الدولية, ولا تحبذ فرنسا ان يصبح صوت الجزائر مسموعا ومحترما وتستدعى في المواضيع الدولية المعقدة بينما لا تستدعى هي, فمثل هذه المسائل تحسب لها فرنسا ألف حساب كما ان فرنسا أخأطت في حساباتها السياسية عندما راهنت على ان الأزمة السياسية والأمنية ستمتد لعشرية أخرى, ولن تجد الجزائر امامها إلا فرنسا للخروج من معضلتها الأمنية. كما ان بعضاً من الطبقة السياسية الفرنسية لا يزال يعتقد الاعتقاد القائل ان فرنسا عليها ان تبقى دولة مؤثرة في الحياة السياسية لمقاطعاتها الاستعمارية سابقا, وذلك خوفا من ان تصبح هذه المناطق مناطق نفوذ أمريكية في اطار السياسة الأمريكية الجديدة الرامية إلى البحث عن أسواق اقتصادية بالأخص في منطقة المغرب العربي والمنطقة الأفريقية وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تهتم بهذه المناطق السنوات الأخيرة من خلال زيارات المسئولين الأمريكان المكوكية للعواصم المغاربية والأفريقية الناطقة باللغة الفرنسية. وتعتقد فرنسا ان مكانتها ومصالحها الاستراتيجية ستتراجع إذا لم تسرع لاعادة ترتيب أدوارها في المناطق التي تعتقد انها تتبع نفوذها وتمثل الجزائر احدى الدول التي تتخوف فرنسا من انها يمكن ان تتبع المصالح الأمريكية أو اليابانية أو الألمانية مباشرة, لأجل ذلك سارعت إلى مطالبة الجزائر باعادة الدفء إلى علاقتهما عندما اكتشفت ان الجزائر قد نجحت في التكيف مع وضعها الداخلي وانها بدأت تسترجع عافيتها بعد انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للجزائر والذي شككت فرنسا ـ كعادتها ـ في النتائج التي حصل عليها, كما شككت قبل ذلك في كفاءة الجزائر على بناء مؤسسات دستورية منتخبة لأجل ذلك صرح عبدالعزيز بوتفليقة غداة انتخابه مباشرة على ان الجزائر لا تقبل ان تملي عليها فرنسا قراراتها, ولا تقبل ان تهان كرامتها, وصرح بمثل هذا الكلام لأنه يعرف وهو الرجل السياسي الذي عاصر كل مراحل تطور العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية منذ استقلال الجزائر بأن فرنسا ترفض ان تكون على ضفتها الشرقية من حوض البحر الأبيض المتوسط دولة عربية مستقرة ومستقلة في قراراتها خاصة إذا كانت هذه الدولة العربية مستعمرة فرنسية سابقا. ويظهر ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك فهم ما يعنيه الرئيس الجزائري عند زيارته الأخيرة وهو ما ترك الدوائر الفرنسية تولي اهتماما لا نظير له لهذه الزيارة, لكن التساؤل الذي يطرح هو لماذا تتودد فرنسا للجزائر وتطالبها بانعاش علاقتهما؟ الجواب نقرأه في تخوف الدوائر الفرنسية من مسعى الرئيس الجزائري الرامي إلى تنويع وتوسيع علاقات الجزائر مع الدول الأوروبية الفاعلة كاسبانيا وايطاليا في مجال الاستثمارات والتبادلات التجارية ومثل هذه المواقف لا ترضاها الدوائر الفرنسية التي ترفض ان تنافسها القوى الأوروبية الأخرى على الأسواق المغاربية هذا من جهة ومن جهة أخرى ان الدوائر الفرنسية مندهشة من المقدرة التي عالج بها الرئيس الجزائري الملف الأمني بسرعة قياسية أعادت الجزائر إلى الاهتمام بالحياة الدولية وأكثر من ذلك كله ترغب الجزائر في انعاش اقتصادها الداخلي الذي يعرف ركودا كبيرا بسبب ارتفاع نسبة خدمة الديون الخارجية وحاجة المؤسسات الكبرى إلى هيكلة جذرية. كما ان الجزائر عازمة على فتح اسواقها أمام المستثمرين الأجانب بعد تحرير الاقتصاد بشكل عام, ورحبت العديد من الشركات الاسبانية والايطالية واليابانية بالاستثمار بعد ان استتب الأمن الداخلي وأكثر من ذلك كله ان الجزائر أعلنت انها ستولي الأولية والاهتمام للدول التي ساندت الجزائر وأيدتها في محاربة ظاهرة الارهاب كاسبانيا مثلا ولن تنسى الدول التي جعلت من أراضيها أوكارا لجماعات الارهاب وامدتها بالمال والسلاح لكي تزرع الموت في صفوف المدنيين بل ان هذه الدول اغلقت أبوابها أمام طلب الجزائر منها المساعدة على مكافحة ظاهرة الارهاب, وهذا ما تتخوف منه فرنسا من ان علاقاتها بالجزائر ستتراجع لصالح دول أوروبية أخرى. لكن تنظر الجزائر الى علاقتها بفرنسا على انه علاقات يتوجب تدعيمها في اطار العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي من جهة وفي اطار تفعيل العلاقات المتوسطية من جهة أخرى, حيث كانت الجزائر شريكا رئيسا أثناء التوقيع على اتفاقية برشلونة التي دعت إلى انشاء سوق متوسطية حرة عام 2010, ومن هذا المنطلق ستتعامل الجزائر مع فرنسا على أساس المصالح المتبادلة لا غير وليس على أساس (العلاقات التاريخية المميزة) لأن العبارة السياسية هذه التي توظفها الدوائر الفرنسية عند الاشارة إلى العلاقات الجزائرية الفرنسية ترفضها الجزائر لأنها عندما احتاجت للدعم الفرنسي لم تجده فكيف تعطي الأفضلية لعلاقتها بفرنسا اليوم؟ وباعتقادنا تدرك فرنسا عمق خطئها السياسي وبدأت في المدة الأخيرة توظف عبارات (رنانة) في خطابها السياسي خاصة بعد زيارة الرئيس الجزائري الأخيرة والتي أحدثت (خلخلة) بالنسبة للدوائر الفرنسية التي قد تعيد النظر في سياستها ازاء الجزائر خاصة ان الجزائر لن تنتظر كثيرا رد باريس على مطالبها لأنها بحاجة كبيرة إلى شركاء اقتصاديين يساهمون معها في انعاش الاقتصاد الجزائري, فمعظم وكالات الأنباء العالمية والصحف البارزة تولي اهتماما لتحركات الجزائر الاقليمية والدولية, فهذه تتحدث عن نجاح وساطة الجزائر في الحرب بين أثيوبيا واريتريا وأخرى تتحدث عن لقاء بوتفليقة ـ باراك والمصافحة الشهيرة بينهما.