يبدو أن القدر قد ربط بين مصير ختيار غزة الرئيس ياسر عرفات وشيخ حماس أحمد ياسين بخيط لا يمكن قطعه بسهولة أبدا, وبينما استعجل عرفات - كما كان يردد الرئيس حافظ الأسد وغيره - كثيرا بركوب قطار التسوية مع الاسرائيليين قبل الحصول على الضمانات الكافية والأكيدة, مما أدى كما هو واضح لعرقلة المسيرة وتوقف المفاوضات وانتكاسة كل ما تم الاتفاق عليه مرة تلو الأخرى, فإن الشيخ ياسين العجوز المقعد ما زال بعيدا عن خط التسوية, ولذلك فما زالت لديه القوة والخيار في أن يعلن بأنه سيشعل الأرض نارا تحت الأقدام الاسرائيلية إذا فكروا في الاعتداء على الفلسطينيين. لهجة عرفات ورجال سلطته لا تستطيع أن تكون بقوة لهجة الشيخ ياسين, ولذلك فاللغة السياسية التي يستخدمونها تتناسب مع خياراتهم التي أوقعوا أنفسهم فيها, فجاءت تهديداتهم على طريقة اما المفاوضات واما استخدام القوة, في وقت تعلم فيه السلطة الفلسطينية جيدا ان خيار القوة قد أسقطته من حساباتها منذ مفاوضات أوسلو السرية.. وربما قبلها بزمن. مع ذلك فعرفات عاشق السفر والتصريحات والظهور في كل المناسبات ما زال يحتل شاشات التلفزة العالمية, وما زالت لديه الجرأة على التهديد والتلويح بقبضة اليد, ذلك انه يعلم بأن أولبرايت سترفع تقريرا مفصلا بعد لقائها به وبرئيس الوزراء الاسرائيلي باراك إلى الرئيس كلينتون سيتحدد بموجبه لقاء القمة الثلاثية في واشنطن. إذن فعرفات يستخدم أوراقا أضعف مما يجب للحصول على أكثر مما ينبغي, فيحصل بالتالي على أقل مما يتوقع.. وهذا طبيعي جدا. وبينما يعتبر عرفات الشخصية الأكثر تفضيلا للاسرائيليين من بين كل القيادات الفلسطينية الموجودة, وهم بالتأكيد لن يكونوا ممتنين للموت إذا استدعاه في أية لحظة, إلا انهم يعلمون بأن ياسين ليس البديل الأفضل أبدا, بالرغم من نفوذه وشعبيته في الشارع الفلسطيني, فهم في رعب دائم منه, ويعلمون بأنهم لا يمكنهم تحويله إلى عرفات آخر, كما أمكن له هو أن يحول مجرى حياته ومستقبله من طالب للأدب الانجليزي في القاهرة ذات يوم من سنوات الخمسينيات إلى طالب لعلوم القرآن ومتردد دائم على جمعية الاخوان المسلمين عندما كان عرفات يدرس الهندسة في الفترة نفسها. لم يرتبط أحمد ياسين باسرائيل أبدا برغم اشاعات السلطة الفلسطينية التي لم تتردد في اطلاق شائعاتها ضده كما لم تتمكن من اثباتها أيضا, فقد أشاعوا بأنه وفي مقابل تسامح الجيش الاسرائيلي مع ياسين قد قام هو بتزويدهم بالكثير من المعلومات التي كذبها الشيخ بعنف بالرغم من انه لم ينكر ان الموساد والجيش استطاعا اختراق الجمعية الاسلامية التي يرأسها وقد جاهد كثيرا للوقوف في وجه الاختراقات, إلا أن ممتلكاته المتواضعة والمنزل ذا الاثاث البسيط الذي يسكنه دليل لا يقبل الشك على ان الشيخ لم يتلوث بأموال اسرائيل. المؤكد الآن ان الشيخين غير متفقين أبدا بالرغم من تلك القبلة الشهيرة التي طبعها عرفات على جبين ياسين في عمان بعد الافراج عنه في أكتوبر من العام 1997, لكنه كان مضطرا لتلك القبلة تحت وطأة ضغوط سياسية عديدة لكن موقف الرجلين بعيدا عن دبلوماسية القبل يتعارض تماما ازاء التسوية واتفاقات السلام ونهج المواجهة, والمؤكد أيضا ان كلا الشيخين يتمتع بشعبية ونفوذ ووزن وكلاهما مريض ومثقل بسنوات الشيخوخة وهناك من ينتظر دوره على مقعد الرئاسة.. لكن السؤال الأهم حول الخلاف وطريقة حسمه وهل تسير باتجاه كسب حقوق ما للفلسطينيين أم انه صراع تيارات اعتادها العالم العربي منذ زمن طويل دون أية نتائج أبدا؟