غالبا ما نلحظ وبشكل واضح وبين عند اي منعطف تاريخي يمس مستقبل اسرائيل ان كان لجهة الحرب او السلام والايديولوجيا المكونة للخارطة _الحزبية داخليا ظهور السمة البارزة التي تعتبر احدى المحددات العامة للنظام الحزبي المنطلقة من شكل الادوار المتعددة فيما بين الاحزاب، التي لم تنل الحظ في تمثيلها داخل الكنيست (البرلمان) والمرتكزة الى ما يسمى بنظام الصفقة والحصص ما بين فترتين انتخابيتين والتي غالبا ما يخرج قسم منها على النطاق السياسي المحض او الدور المألوف. لكن كل هذا الحراك الذي نشهده بين الفينة والاخرى يبقى اسير الاعتبارات الايديولوجية التي تلعب دورا اساسيا ورئيسيا في الوقت ذاته في الحياة السياسية والتي تجمع ما بين متراجحتين اساسيتين, الدين, والدولة اللذان يعتبران مصدرين رئيسيين للانشقاقات والاندماجات بين مجموع الاحزاب حيادا عن الشعارات المرفوعة دون ان نتجاهل حقيقة النظام الاقتصادي الذي يشكل بجد مصدرا ثالثا للانقسامات وفض التحالفات القائمة في الساحة الحزبية مع الاخذ بعين الاعتبار ان هذا العامل يعتبر الاقل شأنا من الشرطين السابقين ولعل الصراع الجاري هذه الايام داخل الكنيست بين القوى الرئيسية المكونة له خاصة بين حزب شاس الذي هدد بالانسحاب من حكومة باراك, يظهر بشكله المكشوف وكأنه خلاف على القضية المالية المتمثلة بزيادة حجم المنح والمساعدات الى المدارس الدينية التابعة لشاس. قد لا نقلل من حجم هذه القضية خاصة وان لشاس سوابق لا تعد ولا تحصى في هذا الميدان الا ان هذه المرة تختلف عن المرات السابقة خاصة وان القرار الاخير للحزب الديني شاس (الممثل لليهود الشرقيين السفارديم) جاء ليتزامن مع حزمة الاصوات المرفوعة بقوة في الشارع الاسرائيلي والتي تنادي حسب اعتقاد هؤلاء بوقف التنازلات التي قدمتها حكومة باراك للفلسطينيين حسب اعتقادهم وهو ما دفع حزب شاس قبل اكثر من اسبوع الى التصويت لصالح المشروع الذي تقدم به حزب الليكود والذي ينص على تقديم موعد انتخابات الكنيست وقد توافقت هذه الرؤية مع كل من حزب بعاليا اسرائيل (الممثل لليهود الروس) والحزب الوطني الديني (المفدال) والسبب في هذا التوافق يعود الى اكمال سلسلة الشروط ومشاريع القرارات التي تقدم بشكل شبه شهري الى الكنيست الاسرائيلي ولعل ابرز هذه المشاريع ما شهده الكنيست في الشهر الماضي والذي امن المصادقة على مشروعي قرارين كان قد تقدم بهما حزب الليكود. نص الاول على تكريس الوضع القائم لمدينة القدس ومنع تغيير منطقة نفوذ بلديتها, في حين نص الثاني على عدم السماح لعودة اللاجئين الفلسطينيين الا بموافقة ثلثي اعضاء الكنيست وهذا لا يمكن تحقيقه مطلقا وعلى ما يبدو ان مجموعة القرارات التي تقدم للكنيست والاحتياجات من قبل اليمين الديني والقومي, تهدف الى تفريغ المفاوضات الجارية مع الفلسطينين من محتواها ومضمونها الذي ينطوي على ما يعتبره الفلسطينيون القضايا المصيرية بالنسبة لقضيتهم ولعل حزمة كبيرة من علامات الاستفهام ترتسم هذه الايام انطلاقا من اللحظة التي بنى فيها ايهود باراك تحالفاته غير النزيهة والتي خلطت بين مفهوم الصقور والحمائم فيما يخص العملية السياسية الجارية في الشرق الاوسط وكان لزاما علينا ان نفهم لعبة باراك عندما اطلق على قائمة اسرائيل واحدة والتي مثلت كل انواع الطيف السياسي والايديولوجي للقوى الفاعلة في الشارع الاسرائيلي وان الهدف من طرح مثل هكذا شعار وهكذا تحالف كان الهدف منه عدم التقدم في العملية السياسية الجارية والدليل على ذلك ان العملية السياسية التفاوضية على كل المسارات عامة والمسار الفلسطيني بخاصة, لم تشهد اي تقدم يذكر منذ توليه الحكم في اسرائيل رغم كل الآمال الذي بناها العرب حتى ذهب البعض منهم من شدة تفاؤله الى التغني بالسياسة الباراكية التي ستجلب السلام والامن والاستقرار على طبق من ذهب هذه المرة وليس من فضة, كما يقول المثل العربي وان كل ما قدمه باراك منذ توليه مقاليد الحكم في اسرائيل لم يرق الى ادنى درجة من مستحقات السلام المطروح وكان جل همه توحيد الرؤى السياسية بين كل التوجهات الداخلية الاسرائيلية على حساب الحق العربي. اما رضوح باراك لمطالب شاس وانعكاساته على ما يعرف بأوساط السلام واليسار فهي مجرد زوبعة في فنجان وقد يكون ترك ميرتس الائتلاف وانسحابه بهدوء تام دون ان يؤثر من قريب او من بعيد على الخارطة الحزبية الداخلية هو تعبير قوي جدا عن ضعف وضحالة هذا الاتجاه داخل اسرائيل ليس الاخاصة وان هذا الاتجاه يعي جيدا قبل خروجه من الائتلاف ان حركة شاس الدينية ستقدم فقط التزاما عاما باستمرار العملية السلمية لكنها بالمقابل لن تتعهد بتأييد هذه العملية لأن هذه العملية بما تهدف اليه اذا صدقت نيات باراك تتعارض مع طبيعتها وستبقى على ذات الطبيعة والنهج التي ترتكز الى الابتزاز في كل مرحلة من مراحل التسوية وانها ستكتفي بتأييد جزئي. وقد جاء في احدى تصريحات صحيفة معاريف الاسرائيلية بأن باراك اصبح امام اكثر القرارات مصيرية بشأن مستقبل اسرائيل, وقد لا يكون اقل شأنا من التسويات السلمية واوضحت الصحيفة بأن تفضيل شاس على ميرتس سيحدد الى حد كبير مسار المجتمع الاسرائيلي واشارت الى ان ارضاء شاس يعني ارضاء جمهور يميني سيصوت ضد السلام واكدت بأن باراك حين ي_اهن شاس انما يراهن على المستقبل السياسي لمعسكر السلام ولا يراهن فقط على مستقبله السياسي. واللافت ان اللعبة التي قام بها حزب شاس برئاسة عوفاديا يوسف ومعه الحزب الوطني الديني بقيادة وزير الاسكان اسحاق ليفي ووزير الداخلية ناتان شارانسكي زعيم (اسرائيل بعاليا) للمهاجرين الروس جاءت لتخفف من حدة المطالب الخارجية الموجهة الى باراك في تقديم ما يسمى باستحقاقات السلام التي كان قد تعهد بها من خلال الكثير من الجولات الماراثونية التفاوضية مع الجانب العربي واعطته قوة اضافية لابتزاز العرب وبدعم لا يستهان به من قبل الراعي الامريكي للعملية السلمية والذي ينادي على الدوام بدعم باراك الذي يواجه الكثير من الضغوطات على المستوى الداخلي, حتى يتسنى له التقدم في العملية السلمية وبذلك تكون اسرائيل قد وصلت الى ما صبت اليه منذ مقتل رابين والى يومنا هذا والمتمثل بتراجع العرب عن حقوقهم التاريخية لقاء المحافظة على معسكر حزب العمل الذي ينادي بالسلام المشوه والمجوف والمرتكز الى استكمال كل مشاريعه الاستيطانية والمتجاوز لقضية القدس واللاجئين والمستوطنات والمياه. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق