عندما يجلس الرئيس ياسر عرفات نهاية هذا الشهر في واشنطن في اجتماع القمة الثلاثية (السلطة الفلسطينية واسرائيل والولايات المتحدة) سوف يجد نفسه في مواجهة (الاصولية) الدينية اليهودية مجسدة باللحم والدم والعظم. فهذه المرة سوف يكون في معية رئيس الحكومة الاسرائيلية إيهود باراك ممثل رسمي لحزب (شاس) الذي يمثل التطرف اليهودي الديني في اسرائيل ضد الاسلام وامة الاسلام. وهكذا سوف تظهر القضية موضوع النزاع في شكلها الحقيقي من المنظور اليهودي على طاولة اجتماع رسمي كقضية صراع مصيري الى يوم الدين بين عقيدتين. واذا كان رئيس الوفد الاسرائيلي باراك مهيئاً للمعركة الفاصلة بما تتطلبه طبيعتها فان الرئيس الفلسطيني على الطرف الآخر ليس كذلك. شتان ما بين وضع (شاس) في اسرائيل كتنظيم سياسي يتبنى العقيدة اليهودية, ويلتزم بتعليمات حاخامات (مجلس حراس التوراة) كمرجعية نهائية ووضع حركة المقاومة الاسلامية (حماس) في الارض الفلسطينية المحتلة التي تقوم على ادارتها المحلية سلطة عرفات. اكثر من اي وقت مضى اتضح التناقض في الايام الاخيرة حين تبلورت ازمة حكومية خطيرة في اسرائيل بين رئيس الوزراء باراك وحزب شاس المشارك في الائتلاف الحكومي وانتهت الى صفقة لبت شروط شاس تماما. فلم يكتف باراك بزيادة الدعم المالي الحكومي لشبكة المدارس والمعاهد الدينية التي يديرها حاخامات شاس ورفع يد وزارة التربية عنها حتى تستقل تلك المدارس والمعاهد بمناهجها الدينية, بل وافق على مشاركة شاس في مفاوضات القمة الخطيرة المشار اليها والتي تجمع الوفد الاسرائيلي مع الوفد الفلسطيني تحت رعاية الولايات المتحدة. (حماس) من الناحية الاخرى ـ ويا للأسف ـ كانت عند بدايات عهد (السلطة الوطنية الفلسطينية) تناضل نضالا من اجل مجرد الاعتراف الرسمي بها كتنظيم سياسي فلسطيني معارض. اما الآن فانها تناضل من اجل البقاء على قيد الحياة السياسية من فرط تصاعد واتساع القمع المنظم ضدها. وهنا يتجلى التناقض الى درجة السخرية. فرئيس الحكومة الاسرائيلية يستخدم شاس ورؤيتها للضفة الغربية المحتلة والقدس كأرض (توراتية) مقدسة لا يجوز دينيا قبول اي مساومة حولها لتقوية موقفه التفاوضي ضد الطرف الفلسطيني. لكن على الجانب الآخر لا تكف اجهزة الامن الفلسطينية عن ملاحقة عناصر حماس وقياداتها بهدف شل فاعليتها تماما كتنظيم معادٍ لليهودية واسرائيل. وبالتالي يدخل عرفات او ممثلوه كل جولة تفاوضية بموقف تفاوضي ضعيف ابتداءً, لانهم يعطلون العنصر العقائدي في مواجهة خصم يجعل من العقيدة مرتكز تعامله مع الطرف الآخر. وللتناقض وجه آخر: فبينما يرى باراك في شاس وتصلبها الديني حليفا من اجل مستقبل اسرائيل ككيان ديني يهودي, يرى عرفات في (حماس) منافسا له شخصياً في الزعامة. ظلت هذه هي رؤية عرفات لحماس منذ قيامها وبروزها في الثمانينيات. فقد ظل على الدوام مشغولا بهاجس ان تسرق حماس اضواء الزعامة والقيادة من منظمة التحرير الفلسطينية وبالتالي منه شخصياً. ومن المثير عقد مقارنة علمية بين هذا الطراز من التفكير الذاتي الشخصي, وما ينطوى عليه من قصر نظر وضيق افق ورهن مستقبل شعب بأكمله الى طموح فردي وبين طراز تفكير القيادة الاسرائيلية الذي يرى فيه القادة الافراد انفسهم, مهما علت مرتبتهم في القيادة كجزء من نسيج شعبي وقومي مستديم لخدمة الثوابت اليهودية المستندة الى اجندة دينية صرفة. وهكذا تجد شاس من يقدر اهمية وخطورة دورها الطبيعي في خدمة الامة اليهودية بينما يقتصر دور حماس على همها اليومي في كيفية تفادي ملاحقات اجهزة الامن الفلسطينية مدعومة بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. أحمد عمرابي