يوما بعد يوم.. يزداد وضوح الوجه القبيح للعولمة وتأثيرها المدمر على اقتصاديات معظم الدول النامية, وانحيازها للأغنياء على حساب الفقراء حتى في داخل الدول الصناعية الأكثر تقدما بقيادة أمريكا.. وهو الأمر الذي بدأ يحرك أصحاب الضمائر، في داخل هذه الدول بعد أن كشف نظام العولمة عن وجهه القبيح باعتباره صورة أخرى متقدمة من الاستعمار الغربي العنصري الذي حكم العالم حتى منتصف القرن العشرين. في الأيام الماضية كنا أمام لقاءين هامين عكسا بعض جوانب هذا النظام الظالم الذي يحكم العالم اليوم. * في جنيف. كان اجتماع (أوبك) الذي جرى مثل الاجتماع السابق وسط ضغوط هائلة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الصناعية من أجل إجبار الدول المنتجة للنفط على زيادة انتاجها, لتنخفض بالتالي أسعاره التي تعتبرها أمريكا وحليفاتها أسعارا مرتفعة, وترى أنها تؤثر على معدلات النمو في اقتصادياتها الغنية. ووصلت الضغوط الى حد تهديد أعضاء الكونجرس الأمريكي بفرض عقوبات على الدول المنتجة للبترول, وإثارة موجة من العداء وسط الرأي العام ضد هذه الدول, متجاهلة حقائق الموضوع التي تكشف أن ثمن البترول الآن أقل من ثمنه في السبعينيات, بل إنه يكاد يتساوى مع أسعاره في ظل الاستنزاف الاجرامي لثروة الشعوب المقهورة قبل إجراء بعض التصحيح في أعقاب حرب أكتوبر 73 وذلك إذا أخذنا في الاعتبار معدلات التضخم من ناحية, وأسعار المنتجات التي تستوردها الدول المنتجة من الدول الصناعية المتقدمة من الغذاء والدواء الى السياسات والسلاح والتي تضاعفت عشرات المرات دون أن يجرؤ أحد على المطالبة بوضع حد لهذا الخلل الرهيب والاستغلال المفجع لثروات الشعوب التي طال استغلالها, والتي يراد لها الآن أن تقبل الاستمرار في قبول هذا الاستغلال.. وإلا حق عليها عقاب سادة العالم الذين لايرون في النظام العالمي الجديد الذي يفرضونه على العالم الآن إلا وسيلة لزيادة ثروات الدول الصناعية بقيادة الولايات المتحدة وزيادة استنزاف الشعوب المنتجة للمواد الأولية التي تهبط أسعارها الفعلية يوما بعد يوم, ومضاعفة وطأة الفقر على دول أصبحت على هامش الحياة أو هكذا يبدو مصيرها في ظل العولمة. وإذا كانت دول الأوبك - في مواجهة الضغوط العاتية - قد قررت للمرة الثانية زيادة انتاجها, فإن الأمر لم يسعد الدول الصناعية المتقدمة بقيادة أمريكا إلا قليلا, والأسعار لم تهبط, والمضاربة مستمرة لإبقاء الضغوط على الدول المنتجة كما هي.. طلبا للمزيد من الانتاج, والمزيد من هبوط الأسعار, خاصة بعد أن أصبح الموضوع جزءا من المزايدات المضللة في انتخابات الرئاسة الأمريكية التي يبدو أن علينا - نحن العرب - أن ندفع تكلفتها في كل الجبهات.. بترولا, وأرضا, واتفاقات سلام لاتخدم إلا مصالح اسرائيل, وصفقات سلاح لابد من إبرامها لتضخ المزيد من الأموال الى صناعة السلاح الأمريكية! * في القاهرة.. كانت هناك قمة مجموعة الـ ,15 وكانت نفس القضية تكتسب أبعاداَ هامة وخطيرة. وكان البحث يدور حول مجمل العلاقات الاقتصادية الدولية وآثارها على الدول النامية. وكانت الشكوى عامة من وطأة النظام العالمي الجديد الذي أنتج حتى الآن مليار عاطل في دول الجنوب, وعطل جهود التنمية الحقيقية في الدول الفقيرة. ولم تكن المناداة بنظام اقتصادي عالمي أكثر عدلا وانصافا وديمقراطية تجئ من فراغ, بل من تجربة مريرة خاضتها الدول الفقيرة في السنوات الأخيرة وأكدت لها أن بقاء الحال على ماهو عليه لن يؤدي إلا إلى كارثة عالمية. لقد هبطت معدلات التنمية من 6% في بداية التسعينيات الى أقل من 2% عام ,98 والمؤشرات الجديدة لاتبشر بخير في ظل الخلل الجسيم في العلاقات الدولية الاقتصادية, وإدارة اقتصاد العالم لصالح الشركات العملاقة متعددة الجنسية والدول الصناعية المتقدمة, وعلى حساب الفقراء الذين يزدادون فقراً. إن كل حديث عن التنمية يبدو خياليا في ظل ديون بلغت في الدول الافريقية وحدها 350 مليار دولار, وفي ظل عدم وفاء الدول المتقدمة بتعهداتها السابقة بتخصيص نسبة تافهة من دخلها لاتتجاوز 7.0% لمعونة الدول الفقيرة, وفي ظل تزايد الاجراءات التي تتخذها الدول الصناعية غير المتقدمة لحماية منتجاتها, واستخدامها لاجراءات غير جمركية لعرقلة دخول إنتاج الدول الفقيرة لأسواقها.. خاصة في مجال المنتجات الزراعية والصناعات التي تستطيع هذه الدول الصغيرة التنافس فيها مثل المنسوجات والملابس الجاهزة. وكل حديث عن عولمة حقيقية توفر فرص التنمية للجميع يبدو خديعة في ظل ضغوط الدول الصناعية المتقدمة, وتآمرها لخفض أسعار المواد الأولية من الدول الفقيرة, ولرفع تكلفة الانتاج في هذه الدول لإفقادها الفرصة في المنافسة.. والحديث هنا عن عمالة الأطفال لايأتي من دوافع انسانية على الاطلاق, فعمل الأطفال في هذه الدول من المؤكد أنه أفضل من موتهم جوعا كما يحدث في أفريقيا تحت سمع وبصر الدول المتقدمة التي تحاصر الدول الفقيرة, وتفرض عليها التخلف, وتثير بينها الحروب وترسل لها السلاح وإرساليات التبشير ومعها بعض الأطعمة لزوم الدعاية وإدعاء التقوى والانحياز لحقوق الانسان!! وما يقال عن عمالة الأطفال, يقال أيضا عن اجراءات حماية البيئة التي تلوثها الدول الصناعية ثم تطالب الدول الفقيرة بتحمل التبعات.. والحديث هنا يطول عما فعلته وتفعله الدول المتقدمة من إضرار بالبيئة, سواء ما يتعلق بتلويث الجو بنواتج المصانع والسيارات والأجهزة الحديثة, أو باستخدام الأسلحة الفتاكة من قنبلة هيروشيما إلى ملايين الألغام التي تركتها في أرض الدول النامية (ومصر من أولى الضحايا) في حروب استعمارية لم يكن للدول الفقيرة فيها ناقة ولا جمل. لقد أعلنت مجموعة الـ 15 في بيانها الختامي الهام عن ضرورة أن تكون العولمة عنصرا مساعدا على تحقيق التنمية وتخفيض مستوى الفقر في الدول النامية, وهو أمر لايمكن أن يتحقق في ظل عدم التوازن في النظام العالمي الجديد, وفي غياب العدل والانصاف في العلاقات الاقتصادية الدولية حاليا. وهو ما يطرح الحاجة لمراجعة شاملة لكل الأوضاع والاتفاقات للوصول الى برنامج جديد يضمن للعولمة أن تحقق مصالح الجميع, وأن ينتهي هذا الوضع الظالم الذي سيؤدي الى الانفجار إذا ترك وشأنه. ولاشك أن دول الجنوب مطالبة - قبل كل شئ - باصلاحات شاملة في بنيانها الداخلي من أجل إنجاح جهود التنمية.. بداية من حشد كل الامكانيات المتاحة ووضعها في مكانها الصحيح, وضرب الفساد, وتحسين الادارة, وحتى نشر العلم والاستفادة من المنجزات التكنولوجية واشاعة مناخ ديمقراطي حقيقي يساعد على الابداع في كل المجالات. ولكن ذلك غير ممكن في ظل الأوضاع الحالية والتي تعاني فيها معظم هذه الدول أوضاعا اقتصادية صعبة, وأوضاعا اجتماعية تزداد وطأتها بسبب (العولمة) وتداعياتها التي تركت لدول الجنوب فقرا يزداد وينتشر, ومليار عاطل, ومجاعة تضرب الشرائح الاجتماعية الدنيا.. بينما الدول المتقدمة تتحدث عن حقوق الملكية الفكرية! إن نقطة التلاقي بين الدول المتقدمة والفقيرة - قبل أن تتفاقم الأوضاع - هي أن تتحمل الدول المتقدمة مسئوليتها التاريخية, وأن تدرك أنها حين تقدم المعونة لدول الجنوب الآن فإنها تسد جزءا ضئيلا من ديونها التاريخية التي ينبغي أن تسددها. فمعظم الدول المتقدمة لم تبن تقدمها بثرواتها الذاتية, وإنما بالاستنزاف الهائل لثروات الشعوب في ظل نظام استعماري بربري ظل لقرون ينهب ثروات المستعمرات لكي يبني صناعاته المتقدمة, ويمارس أبشع صنوف القهر ويرتكب المذابح ويستخدم كل الأساليب غير الانسانية لكي يفرض على الشعوب - تحت استعماره - التخلف والفقر. وقد آن الأوان لتعويض هذه الشعوب عن كل ذلك, ولكن الدول المتقدمة ترفض حتى الآن, بل وتخترع نظام (العولمة) بصورته الحالية البعيدة عن العدل لكي تفرض على دول الجنوب الفقر والتخلف الى الأبد. لقد شرح رئيس نيجيريا الوضع المأساوي الذي تعيشه شعوب افريقيا حيث ازداد حجم المديونية من 300 مليار دولار عام 97 الى 350 مليارا في العام التالي.. وستزداد أكثر مالم يكن هناك حل حقيقي. ولايمكن أن تكون هناك تنمية إذا كانت فوائد الديون تستنفد أربعين في المائة من ميزانيات هذه الدول. ومن هنا فلا مناص من إلغاء هذه الديون لكي تمسح الدول الاستعمارية بعض ذنوبها, ولكي تتمكن الدول الافريقية من البدء في خطط عاجلة لتنمية حقيقية تواجه بها مشكلات الفقر والجوع والإيدز التي تعصف بها. إن التلويح بالاستثمارات الأجنبية بديلا للمعونة قد أثبت فشله. فالمعونة هي جزء من التعويض الذي ينبغي أن تدفعه الدول المتقدمة للدول التي أطالت استغلالها تحت الاستعمار, ومع ذلك فهي تريد أن تتهرب منها رغم ضآلة ما تعهدت بتقديمه في هذا الصدد والذي لايصل الى 1% من انتاجها القومي. لقد لوحت الدول المتقدمة بأن الاستثمارات ستكون هي البديل, وأنها ستحقق الكثير للدول الفقيرة.. فماذا حدث؟ انخفضت المعونة منذ عام 92 الى الخمس, بينما عربدت رؤوس الأموال الدولية في المضاربات قصيرة الأجل شديدة التأثير فأحدثت كوارث مثل ما حدث في دول شرق آسيا.. وتحكمت العوامل السياسية في الاستثمارات الأخرى لتتركز في عدد قليل من الدول, ولتحقق مصالح الشركات الدولية العملاقة قبل مصالح هذه الدول نفسها.. ومع الأخذ في الاعتبار أن الاستثمارات الدولية يتجه معظمها للدول الغنية أو لخدمة أهدافها على حساب دول الجنوب. لقد أعلنت قمة الـ 15 في القاهرة موقفاً هاماً, يقبل العولمة ويسعى للاندماج في اقتصاد العالم.. ولكن ليس بشروط الأغنياء ولا بما يحقق مصالح الدول المتقدمة وحدها, وإنما بالسعي لعولمة أكثر عدلا وإنصافا وديمقراطية تراعي مصالح الجميع وتعمل على القضاء على الفقر والبطالة, ويتحمل فيها الأغنياء بشجاعة مسئولياتهم ويعترفون بأخطائهم. والأمر يحتاج لتعاون فعال بين دول الجنوب وفي طليعتهم هذه المجموعة التي اجتمعت في القاهرة والتي تحمل اسم مجموعة الـ 15 رغم ارتفاع عدد الأعضاء الى 19 بانضمام كولومبيا وايران في الاجتماع الأخير والدخول في مفاوضات جادة مع دول الشمال لتعديل الاتفاقات وتحسين الشروط وخلق البيئة الاقتصادية الدولية الصالحة لعلاقات متوازنة بين الجميع, ولاسقاط الديون وزيادة المعونة. والأهم من ذلك أمران.. توثيق العلاقات الداخلية بين دول الجنوب وزيادة التجارة فيما بينها, والتعاون الفني والعلمي والاقتصادي لمواجهة المشكلات العديدة وتجاوز الفجوة الهائلة - علميا واقتصاديا - مع الدول الغنية لفتح الباب أمام تنمية حقيقية تراعي مصالح هذه الدول المهددة بزيادة التهميش إذا استمرت الأوضاع الحالية. والأمر الثاني المهم أن تسعى هذه الدول - في ظل رؤية موحدة - الى التفاوض الجاد مع المنظمات الدولية لتعديل الشروط الجائرة التي تم فرضها في ظل الحاجة المتزايدة ووطأة الديون وسوء الأحوال الاقتصادية. وفي هذا الاطار ينبغي أن يكون هناك موقف حاسم للحفاظ على أسعار المواد الأولية التي تمثل جزءا أساسيا من ثروة الدول الفقيرة, والتي تزداد أسعارها هبوطا بسبب سيطرة الدول المتقدمة على الأسواق العالمية وفرضها لشروطها واستغلالها لأوضاع الدول الفقيرة المتدهورة اقتصاديا. ولاشك أن مهمات مجموعة الـ15 صعبة للغاية, ولكنها ضرورية وحيوية للغاية. ولاشك أن قدرة هذه المجموعة ستزداد بمقدار زيادة التعاون فيما بينها, وبمقدار نجاحها في حشد دول الجنوب معها لمواجهة الضغوط التي لابد أن يمارسها الشمال من موقع القوة والنفوذ الذي يتمتع به الآن والذي يعرف هو قبل غيره أنه لايمكن أن يستمر, لأنه يقيم نظاما بعيدا عن العدل ويعيد صياغة الاستعمار القديم بثوب جديد قد يخدع الكثيرين ولكنه لايستر العورات ولايخفي عوامل الضعف التي تنخر في بنيانه. وهو ما بدأ يقلق الكثيرين حتى داخل هذه الدول نفسها, ولعل مظاهرات (سياتل) كانت جزءا من هذا الكشف عن الوجه القبيح لنظام غير عادل يراد فرضه على العالم بالقوة والخداع. ولعل ما حدث قبل أيام في جنيف والقاهرة يكشف أجزاء أخرى من هذا الوجه القبيح الذي لابد من فضحه ومقاومته.. بالتفاوض إن أمكن, وبالمواجهة إذا لزم الأمر.