بالرغم من ان دارسي الموسيقى يقولون ان الصينيين لا يعرفون الزغاريد. وكذلك السياسيون لا يعترفون بها ايضا بالرغم من ذلك فإن الزغاريد صارت مبررة بل مستحقة بعد توقيع الاتفاق الاخير بين المملكة العربية السعودية واليمن حول ترسيم الحدود النهائية بين البلدين، وهو الامر الذي استدعى في السابق بذل الكثير من الوقت والجهد من جانب البلدين كما استنفدت طاقات كبيرة في سبيل البحث عن حلول له ترضي الطرفين وبهذا التوقيع النهائي تستحق القيادتان السعودية واليمنية ليس فحسب الكثير من التهنئة, بل الكثير من التقدير ايضا. ففي هذا الوقت العسير والعصيب استطاعت القيادتان ان تضعا على الارض حلا مرضيا وعصريا تعطل تحقيقه اكثر من ستين عاما. كنت منذ سنوات قليلة في اليمن فملت الى احد الاصدقاء وهو سياسي بارز ونائب رئيس احد الاحزاب اليمنية الكبيرة في مقيل جميل ضم نخبة من الاخوة اليمنيين وقلت له: (ألا تعتقد ان الوقت قد حان اليوم والقيادة السعودية قد حلت الكثير من القضايا الحدودية المعلقة مع الجيرن ان يكون هناك نصيب لحل مشكلة الحدود اليمنية ـ السعودية؟) فقال بعد برهة: أخشى ان يكون الوقت قد فات!) . كان هذا التعليق يحمل تشاؤما ظاهرا لم اكن لأوافق صاحبه عليه. كان النقاش في ذلك المقيل اليمني, وشهوده كثر منصبا حول محدودية الموارد اليمنية التي تتوقف عليها حياة الشعب اليمني الشقيق ولذلك فإنه حري بهذه الموارد ان تنفق في البناء وفي سبل التطوير الاقتصادي والاجتماعي ومجالات التنمية التي يتطلع اليها الشعب اليمني في سعيه للاخذ بناصية الحياة الجديدة بدلا من توجيهها الى شراء معدات واسلحة قد لا يحتاج اليها اليمن ما دام في حالة وئام مع الجيران. وبالرغم من انه كان نقاشا صحيا ومفيدا في تلك الظهيرة فقد انتهى بتشاؤم, فقد كان حل قضية الحدود اليمنية مع المملكة العربية السعودية يبدو للكثيرين وكأنه حلم بعيد لا يمكن ان يتحقق وكان هذا التشاؤم منعكسا ليس فقط على الجانب اليمني ولكن ايضا كان له صدى ملحوظ لدى الجانب السعودي خاصة على المستوى الاكاديمي فقد اصدر احد الباحثين السعوديين هو مشاري عبدالرحمن النعيم في العام 1999, كتابا حول الحدود السياسية السعودية اشار فيه الى جزء من الحدود اليمنية السعودية (الربع الخالي) بقوله انه (لم يشهد تسوية كلية او جزئية حتى كتابة هذه السطور) كما اشار المؤلف, وهكذا كان لسان الحالة السائدة على الجهتين يشي بأنه لا حل نهائيا في الافق! ولعل المؤلف الاكاديمي ـ مثل صاحبي في المقيل اليمني ـ كان من الذين يحسبون المستقبل قياسا على الماضي وتداخلاته دون حساب لارادة الرجال, وقدرتهم على القفز فوق الخلافات والانطلاق نحو جوهر العلاقة الاخوية التي تقوم على طبيعة مشتركة ومصالح مشتركة ومستقبل مشترك لذلك لم يدر بخلدهم وقتها ان هذا الامر الكبير والمختلف عليه بعمق, ذا المدخلات السياسية المعقدة يمكن ان يحل بأخوية واتفاق ثنائي في وقت قريب ومع ذلك فقد تم الاتفاق تطبيقا للمقولة الحكيمة (ان الحل التاريخي يتطلب دائما ارادة رجال تاريخيين ايضا) . من هنا يتوجب اقرار الحق لاهله. ففي الوقت الذي تثور فيه المنازعات الحدودية العربية ـ العربية, حتى ساهم بعضها احيانا في اندلاع حروب ضروس مباشرة وتسبب بعضها الآخر احيانا في نزاعات كما هو الشأن في الخلاف المغربي الجزائري حول خط الحدود بمنطقة (تندوف) العام 1963 او الخلاف بين مصر والسودان حول منطقة (حلايب) او الاعتداء الغاشم والمبيت كما فعل العراق باحتلاله للكويت العام 1990. وهذه فقط بعض الاشارات لا كلها والتي ما زالت تسمم ساحة العلاقات العربية في الشرق والغرب. في ظل هذا الجو المحموم في كثير من ارجاء الوطن العربي توصلت القيادة السعودية والقيادة اليمنية الى حل نزاع طال امده سنين طوالا وتشعب الى ان تحول الى قنبلة موقوتة كان يمكن ان تفجر العلاقة الاخوية التي تربط بين الشعبين الشقيقين فحل هذا الخلاف بطريقة سلمية واخوية وحافظة لحقوق الطرفين لا شك في انه امر يتضمن حكمة ونضجا يسعد بهما كل عربي حريص على مستقبل هذه الامة. في حالات كثيرة من النزاعات الحدودية العربية امتدت الانعكاسات السلبية والخطيرة لهذه الخلافات من مستوى الحكومات الى مستوى الشعوب, وسممت العلاقات بين الشعوب العربية المتقاربة وكونت رأيا عاما مضادا للتقارب العربي في ابسط اشكاله وقد امتدت الانعكاسات في بعض الحالات لتلقي بظلالها ليس على مستوى العلاقات الثنائية بل الى التأثير في مجموع النظام الاقليمي وصار كل طرف يتوقع او يأمل ان تقوم الاطراف الاخرى بتأييد وجهة نظره وإلا اعتبرت معادية بشكل ما. ان الخلافات الحدودية امر يهم كل مواطن عربي فهذا المواطن مهما قدم له من مقولات كثيرة عن العلاقات العربية وضرورة الحفاظ عليها وتطويرها فإنه لا يرضى بأن تضار حدود وطنه وذلك هو الدرس الواقعي المستفاد من كل ما مر بنا من خلافات عشناها او نعيشها اليوم. يتجلى تأثير مثل هذه الخلافات في النظام الاقليمي ومؤسساته ونضرب هنا مثالا بالجامعة العربية التي كثيرا ما تبتعد بنفسها عن التدخل بين الاطراف لتقديم حلول للمنازعات الحدودية خوفا من الاتهام بالتحيز لهذا الطرف او ذاك. كما يظهر عجزها عن احتواء الخلافات الحدودية وحسمها حتى عندما تندلع بشكل مباشر وعنيف, وكثيرا ما لجأت الاطراف العربية الى قوى او اطراف خارج النظام الاقليمي سواء للتحكيم او التوسط. فمثلا احتاج العالم, من اجل لجم الاطماع العراقية الى تدخل الامم المتحدة لحسم النزاع وفرض حل دولي لترسيم الحدود بين العراق والكويت, بعد ان دفع الشعب الكويتي والشعوب العربية اثمانا باهظة بشريا وماديا من اجل ذلك, بينما كان النظام العراقي يرفض في السابق كل الوسائل المطروحة للوصول الى تسوية مباشرة تحفظ الحق الكويتي الذي تدعمه الوثائق والمعاهدات الدولية. امام هذه الخلفية المعقدة في منازعات الحدود العربية تبرز الاهمية التاريخية للاتفاق الموقع في الثاني عشر من يونيو الجاري بين المملكة العربية السعودية واليمن حول حدودهما المشتركة وتنبع اهمية هذا الاتفاق من انه يشيع الاستقرار والتعايش السلمي في الجزيرة العربية التي تحتاج اليه من اجل اكمال مسيرة التنمية الوطنية وتكريس الاستقرار وتوجيه الموارد الاقتصادية الى ما يفيد الشعوب. والمرجو الا يكون هذا الاتفاق التاريخي محط مزايدات من بعض الاطراف (خاصة في بعض الاوساط من المعارضة اليمنية) التي تريد ان تتكسب سياسيا من خلال استثمار التراكم الكبير في الموروث السياسي السلبي. وبالتأكيد هناك اطراف ستسارع للغمز من قناة هذه الاتفاق التاريخي, والمثال على ذلك ما زعمته بعض الاوساط من ان هناك بنودا سرية ملحقة بهذا الاتفاق وهو الامر الذي نفاه وزير الداخلية السعودي الامير نايف بن عبدالعزيز جملة وتفصيلا. لعل مما يسر الخاطر ان الشعب اليمني قد قابل هذا الاتفاق بالترحيب الشديد. فقد احتشدت الجماهير الغفيرة للقاء الرئيس علي عبدالله صالح عند عودته بعد توقيع الاتفاق في تظاهرات لا تنم عن الموافقة فقط, بل ايضا عن الابتهاج بزوال كابوس عن ضمير هذه الجماهير ارقها لفترة طويلة, لأن مثل هذه القضايا الوطنية بكل بساطة يمكن ان تستغل وتضخم لتقود في النهاية الى طرق مسدودة لا يعرف احد نتيجتها ولا سقفا لتداعياتها السلبية. ما حدث بين اليمن والمملكة العربية السعودية يتعدى الاتفاق الحدودي. فالبوابة الجنوبية للخليج تفتح الآن على مصراعيها للخير والتعاون وشعب اليمن العربي يستحق كل اهتمام, والمشكلات اليمنية الاقتصادية ليست سهلة, فهي تحتاج الى جهود اقليمية جادة للنهوض بها كما ان مساهمة اليمن التنموية في الخليج مذكورة ومعترف بها تاريخيا فقد كانت العمالة اليمنية احد مكونات النهضة العمرانية في الخليج وعناصرها الاساسية ويستطيع اليمن اليوم ان يتبادل مع الخليج منافع اقتصادية وثقافية, فالعلاقات الصحية والصحيحة سوف تقدم لهذه المسيرة المشتركة افاقا جديدة وتحظى باهتمام ورعاية تستحقهما. نعم الصينيون لا يعرفون الزغاريد ولكن بعض القيادات العربية تعرف الحكمة وتتبعها وتعرف كيف تقدم لشعوبها الحلول العقلانية والواقعية للمشكلات العالقة وسيكتب في سجلات التاريخ العربي المعاصر ولأجيال مقبلة هذا الاتفاق التاريخي الذي يضاف الى اتفاقات تاريخية حدودية تمت في هذه الجزيرة العربية بفضل حكمة قياداتها.