قذفت إحدى الفتيات بنفسها سريعا تحت نوافير المياه في إحدى ساحات مدينة هانوفر الألمانية عاصمة مقاطعة ساكسونيا السفلى في شمال ألمانيا, عندما وصلت درجة الحرارة في الاسبوع الماضي إلى مستوى 40 درجة مئوية, وهو معدل خيالي جدا بالنسبة لشخص يفكر في السفر لهذه المدينة, ومع ذلك فالسفر يبدو أحيانا كالقدر الذي لا مفر منه, حتى لو اضطررت للسفر من دبي (37 درجة) إلى هانوفر (40 درجة مئوية). في اليوم الأول للوصول وبعد محاولة التغلغل في التفاصيل ابتداء بتفاصيل الشارع, وانتهاء بتفاصيل مقر الاقامة, مرورا بمفاجأة الطقس الذي يباغت حقيبة ثيابك التي صدقت حكاية الفتاة صاحبة النافورة! فإذا بها لا تحتوي على ما يمكن أن يقف في وجه درجة حرارة 10 مئوية في عز الصيف! وهكذا هي ألمانيا كعادتها تستعرض مشاهد الفصول الأربعة خلال أسبوع واحد وتدعك أنت تدور حول نفسك. من دبي حتى فرانكفورت ومن ثم إلى هانوفر, استغرقت الرحلة 12 ساعة تقريبا ما بين مطار وآخر, وانتظار وآخر, وما بين مناخ ومناخ وفقدان ذاكرة, وانتعاش ذاكرة أخرى, حتى تجد نفسك في نهاية الأمر في مهب عاصفة قارسة البرودة ذات صباح في طريقك إلى أكبر معارض التاريخ على الاطلاق.. معرض اكسبو 2000 الرابضة أجنحته على مساحة أرض تقدر بـ 170 هكتارا هذا المعرض الذي تقدمه ألمانيا الاتحادية للعالم وتقدم نفسها من خلاله بعد عشر سنوات من توحد شطريها الغربي والشرقي اثر حادث سقوط جدار برلين التاريخي. الجناح الألماني في المعرض وبطبيعة الحال, يعد الجناح الأكبر حيث يحتل مساحة تقدر بـ 24.000 متر مربع تستعرض فيه ألمانيا قدراتها التكنولوجية العالية, وتطلعاتها المستقبلية, بينما يأتي جناح الامارات في المرتبة الثانية بمساحة كلية تبلغ 9000 متر مربع. إن جولة سريعة على ساحة الموضوعات التي تتبارى الدول في تقديمها تحت شعار (الإنسانية, البيئة, التقنية مستقبل عالمنا الواحد) تعطي انطباعات متباينة, لكن الأكيد انها تضعك أمام تساؤل كبير حول معادلة بحجم (الإنسانية - البيئة - التقنية). إنها معادلة الحفاظ على هذا الثالوث الخطير والهام في مقابل ما يحدث من تدمير منظم للإنسانية والبيئة بتوظيف الركن الثالث الأكثر خطورة... التقنية. إنه ليس انطباعا تشاؤميا, لكنه انطباع عام نكونه من خلال كل ما يحيط بنا على امتداد الـ 24 ساعة, وما يطل علينا من نشرات الأخبار, ووجوه الساسة, ومشاهد الحروب والمجاعات, ومعاناة الانسانية حيث تتصارع السياسة والاقتصاد والتاريخ على كل الخرائط وفي كل الاتجاهات. معرض اكسبو 2000 في هانوفر بألمانيا, ولمدة خمسة أشهر محاولة تجتهد فيها 180 دولة و63 منظمة عالمية لتقديم حلول ومخارج لكل مآزق الاقتصاد والبيئة والبشرية, وهي محاولة في اتجاه ترويج اقتصاديات بديلة قائمة على مبدأ التنمية المستدامة, الرامية لحماية مستقبل البشرية بعيدا عن هوس وصراعات السوق والشركات العملاقة التي تعيث على وجه الكوكب الأرضي تخريبا من أجل مزيد من الدولارات. اكسبو 2000 (الإنسانية, البيئة, والتقنية) خطوة لأجل عالم أكثر تعقلا وإنسانية.. هل ذلك ممكن؟! نعم إذا أراد الإنسان.