اعلان العلماء والباحثين اكتشاف أسرار الجينات البشرية لا يمثل فقط فتحا علميا عظيما, وانما يعد ثورة ستشمل حياة الانسان في جميع المجالات, ومن المؤكد ان واقع الانسان قبل هذا الاكتشاف وحينه لن يكون بأي حال من الأحوال مماثلا لما سوف يكون عليه خلال العقود المقبلة. فهذه الثورة العلمية استغرق الوصول إليها نحو نصف قرن ما بين قيام العالمين الأمريكي جيمس واطسون والبريطاني فرانسيس كريك للمرة الأولى بوصف الشريط الوراثي أو الحلزون المزدوج لجزيء الحامض النووي في جامعة كامبردج البريطانية. وطوال هذه المدة عكف مئات بل آلاف العلماء من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والصين وفرنسا واليابان وألمانيا على محاولة فهم أسرار الخليقة والأسرار المكونة للانسان, خاصة وان العلم ظل عاجزا عن فهم الكثير من هذه الأسرار. كما وقف عاجزا عن تفسير بعض السلوكيات البشرية, والطبائع الانسانية, وفوق ذلك كله وقف عاجزا أمام الضربات القوية للعديد من الأمراض الفتاكة, وتساءل العلماء كثيرا, لماذا يصيب مرض معين قوماً ما دون آخرين. ولعل اكتشاف البارحة يكون قد أجاب عن بعض هذه الأسئلة أو معظمها, وأراح الكثير من جوانب الحيرة الانسانية, فكما قيل ان الاكتشاف يغطي نحو 97% من الأسرار الجينية للانسان, وان الصورة ستكتمل تماما عام 2003, وتصل تكلفته إلى نحو ثلاثة مليارات دولار. ويكفي استعراض بعض الأرقام لتبين الجهد المذهل الذي تم الوصول إليه, إذ ان 3% من البيانات تغطي ما بين 50 إلى 100 ألف جين بشري لو تم جمعها أو تدوينها لشغلت 200 دليل هاتف كل منه يتكون من 500 صفحة. وإذا كان هذا الاكتشاف تم بعيدا عنا نحن العرب فإن من واجبنا ان نسارع باقتحام هذا الميدان, وذلك بتوجيه العلماء والباحثين إليه, وتقديم التمويل اللازم له, ومن هنا فإن كافة الجامعات العربية ودور البحث العلمي مدعوة لافتتاح أقسام بل كليات علمية لهذا العلم الجديد, وتدريب الأطباء العرب على كيفية استخدام هذا الاكتشاف كعلاج جديد. صحيح ان الأمر ليس سهلا على الاطلاق, ولكن علم الجينات سوف يكون علم المستقبل حيث سيستخدم في الطب والهندسة الوراثية وصناعة الأغذية, إذ أصبح باستطاعة العلم والعلماء استئصال الكثير من الأمراض من دفاتر الحياة البشرية من واقع تحسين الجينات, بل أصبح باستطاعة العلماء استيلاد الأطفال العباقرة وتزويدهم جينيا بمعلومات تفوق قدراتنا, وزيادة عمر الانسان لمئات السنين, ولا تعارض في ذلك بين العلم والدين, ألم يقل الله تعالى: (ويخلق مالا تعلمون) , اننا كعرب ومسلمين مدعوون بالأخذ بأسباب العلم وألا نغرق في الخلافات العلمية والدينية, ولقد صدق الله العظيم حين قال: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) انه على كل شيء قدير.