ما ان اعلن الرئيس السوداني عمر البشير الاسبوع الماضي عفوا عاما عن المعارضين كافة في الداخل والخارج حتى اعلنت قيادة (حزب الامة) ـ التنظيم الاكبر بين فصائل المعارضة قاطبة ـ انها تعد ترتيبات لعودة 200 مقاتل من الفرع القتالي للحزب من اثيوبيا الى السودان. وهذا الاعلان تزامن مع تصريح لاحد كبار اقطاب الحزب ـ د. عمر نور الدايم ـ كشف فيه ان الحكومة الاثيوبية قررت تصفية وجود اي معارضة سودانية ـ عسكرية كانت ام سياسية ـ من على اراضيها؟ والسؤال: هل تزامن القرار الاثيوبي وعودة مجموعة قتالية سودانية تابعة لحزب معارض مع صدور قرار العفو الرئاسي مجرد مصادفة ام ان هناك ترابطا؟ في تقديري ان تحرك الحكومة السودانية باصدار العفو هو رد فعل للافرازات الاولية للحرب الاثيوبية الاريترية التي انتهت لتوها. فحالة العداء الاثيوبي الاريتري الذي تفجر قتالا شرسا افرز مناخا سياسيا جديدا ابرز سماته تقارب بين اديس ابابا والخرطوم. وهذا مما يفسر لنا القرار الاثيوبي الحازم بطرد المعارضة السودانية. اجل.. لقد سبق ان تبنت الحكومة الاثيوبية قرارا في هذا الاتجاه قبل شهور من اندلاع الحرب في 12 مايو عندما فتحت الدولتان صفحة جديدة للتعاون بعد جفوة طويلة. لكن تطبيق القرار على الارض لم يكن حاسما بدرجة كافية. وجاءت الحرب لتدفع اثيوبيا الى المزيد من التقارب السياسي مع السودان لاحكام تشديد طوق العزلة على اريتريا في المنطقة. وقراءة الحكومة السودانية لهذه المستجدات ربما تكون هي التي دفعت بها الى اتخاذ قرار العفو عن المعارضين ـ وبصورة ادق ـ المعارضون الناشطون في الخارج. كأن الخرطوم تريد ان تفتح لهؤلاء المعارضين الباب للدخول من اجل تحييدهم مستغلة حيرتهم وضيق حيلتهم في ضوء الظروف التي استجدت في المنطقة. فأين يذهب المعارضون المقيمون في اثيوبيا بعد ان ووجهوا بقرار الطرد؟ ان اريتريا المنهمكة في لعق جراحها بعد تضاؤل ظلها العسكري والسياسي ليست الان في موقف يمكنها من مواصلة تحدي دول مجاورة واستفزازها. على ان هناك تفسيرا اخر لقرار العفو السوداني لكنه لا يتناقض مع التفسير الاول. فربما قصد بالقرار ان يكون حلقة جديدة في مسلسل من التدابير الانفراجية التي اتخذتها الحكومة في مدى الشهور الاخيرة لتهيئة المناخ لمساعي الوفاق والمصالحة مع المعارضة استجابة لضغوط ومطالبات اقطاب المعارضة في هذا الاتجاه. ان المفترض, والمتفق عليه مبدئيا, بين الحكومة والمعارضة بالاضافة الى الحكومتين المصرية والليبية كوسيطين, ان تبلغ الجهود المبذولة على طريق التصالح ذروتها بقيام (مؤتمر جامع) للحوار الوطني يعقد في القاهرة او طرابلس. وقد تأخر الاتفاق على عقد هذا المؤتمر بسبب الطلبات المتلاحقة التي يتقدم بها بعض اقطاب المعارضة لان تتخذ الحكومة السودانية من جانبها خطوات ملموسة على سبيل (تهيئة المناخ) للحوار, ومما استجابت له الحكومة حتى الان يتمثل في اعادة ممتلكات مصادرة الى فصائل المعارضة من هيئات وأفراد واطلاق سراح معتقلين ومسجونين سياسيا وتوسيع حرية الصحافة وامتلاك الصحف ومنع الاعتقال التحفظي. ولان تجاوب بعض فصائل المعارضة متباطئ فان اصدار قرار العفو العام يبدو وكأن المقصود به تحفيز قادة المعارضة المتباطئين على تسريع تجاوبهم في اتجاه الدخول في عملية الحوار الوطني. وقد تعلم الحكومة سلفا ان فصيل المعارضة الجنوبي الرئيسي (الحركة الشعبية) بقيادة جون قرنق وفصائل ثانوية متعاطفة مع الحركة مثل (مؤتمر البجا) ليسوا راغبين اصلا في اي حوار سواء استجابت الحكومة لمطالب (تهيئة المناخ) او لم تستجب. بالتالي فان اصدار قرار العفو رغم ذلك يعني ان الحكومة قصدت تبرئة ساحتها مقدما لحرمان (الحركة الشعبية) من اية ذرائع لاتهام الجانب الحكومي بعدم التجاوب. وفي كل الاحوال فان قرار العفو العام لا يمكن الا ان يوصف بانه خطوة جديرة بالاشادة.