زار العاهل المغربي الملك محمد السادس واشنطن زيارة لم يعلن عنها مسبقا, واستقبلته ادارة كلينتون استقبالا حافلا, وشملت ابرز وقائع الزيارة اكبر حفل عشاء اقيم على الاطلاق, وغذاء رسميا مع وزير الخارجية, وحفل عشاء مع وزير الدفاع واستقبالا حافلا في الكابيتول هيل ، شمل حفل غذاء اقيم على شرف العاهل المغربي والاقرار الجماعي من قبل الكونجرس بتعهد بـ (توثيق الروابط) بين المغرب والولايات المتحدة. واقر الرئيس كلينتون ووزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت في تصريحات عامة وفي مجالس خاصة بصورة متكررة بأن المغرب (اقدم اصدقاء امريكا) واشادا بالملك محمد السادس باعتباره واحدا من اكثر قادة الشرق الاوسط اقتدارا. واشار كلينتون في تحيته للعاهل المغربي الى انه: (ما من ضيف اجنبي اكثر جدارة بالترحاب الحار هنا من الملك محمد) . واشارت اولبرايت في تصريحاتها الى ان: (امريكا لن تنسى ابدا انه في عام 1777 كانت أول امة في العالم تعترف بالولايات المتحدة هي المملكة المغربية وفي 1787 وقعت الولايات المتحدة معاهدة (سلام وصداقة) مع المغرب وهي (اطول المعاهدات من نوعها عمرا على مدى التاريخ والتي لم يقدر لها الانتهاك) . وقد كانت العلاقات وثيقة بين البلدين على امتداد وقت طويل وقد اصبحت اكثر توثقا في السنوات الاخيرة وكما اشار كلينتون فإن الولايات المتحدة تنظر الى المغرب باعتبارها ساحة التجربة الديمقراطية الاكثر نجاحا في العالم العربي وبينما تم البدء بالعديد من الاصلاحات في عهد الملك الحسن الثاني, فإن الملك محمد السادس يلقى الكثير من التقدير لمضيه قدما بالديمقراطية وتعميق الاحترام لحريات الانسان. واعرب كلينتون في اكثر من محفل عام عن تقديره للجهد الذي يبذله الملك محمد السادس لتحسين الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمجتمع المدني و(لشفاء الجراح القديمة والمضي قدما بالحريات السياسية وحماية حقوق الانسان) وخطا الملك محمد السادس الخطوة الدراماتيكية المتمثلة في انشاء صندوق لتعويض الافراد الذين انتهكت حقوقهم الانسانية في الماضي, وتحدث ببلاغة عن حقوق المرأة والمعاقين واعرب عن اهتمامه بمحنة من يعانون من البطالة. وواصل الملك محمد السادس عملية الاصلاح, ولكن الولايات المتحدة تتفهم انه لكي تحدث هذه الاصلاحات تأثيرها ولكي يواصل المغرب تقدمه, فإنه لابد من القيام بالمزيد لمساعدة خطة التنمية في المغرب فالبطالة لا تزال مرتفعة والشباب المتعلمون لا يزالون يواجهون صعوبة في الحصول على فرص عمل. وعلى سبيل المثال اقرت مادلين اولبرايت ما اتخذه الملك محمد السادس من (خطى مهمة لتحسين الاوضاع الاقتصادية من خلال خصخصة الصناعة وبحث امكانيات الاصلاح الزراعي) وتصدر جدول اعمال هذه الزيارة الرسمية الجهود المبذولة لتطوير الاستثمارات الامريكية في الاقتصاد المغربي. ومن جانبه يعد مجتمع رجال الاعمال المغربي للقيام بزيارة متابعة للولايات المتحدة وسيقترحون في ذلك الوقت مشروعات استثمارية على شركاء محتملين, ويبلغ اجمالي الاستثمار المنشود لكل المشروعات المقترحة ملياري دولار. وبالاضافة الى المناقشات حول (التاريخ المشترك والقيم والمصالح المشتركة) والخطط المتعلقة بالشراكة الاقتصادية فإن هناك ايضا مناقشات حادة حول الاهتمامات السياسية. فقد تعهدت المغرب بالعمل جنبا الى جنب مع الجهد الذي تبذله الامم المتحدة والذي يشرف عليه جيمس بيكر وزير الخارجية الامريكي السابق لحسم قضية الصحراء واشار الملك محمد السادس بصفة خاصة في تصريحاته العلنية الى هذه المنطقة باعتبارها (المقاطعة الجنوبية) للمغرب, ولكنه كرر كذلك التزام بلاده بالسعي الى (حل عادل ودائم) بالتعاون مع القائمين على الجهود الدولية. وتأثر الكثير من المراقبين بالحقيقة القائلة ان العاهل المغربي في كل تصريحاته الرسمية والعلنية (وكما ذكر في مناقشاته الخاصة كذلك) قد اكد على اهمية حسم الصراع في الشرق الاوسط. واشار الى ان اسرائيل ينبغي ان تنسحب من كل الاراضي المحتلة وان دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة عاصمتها القدس ينبغي ان تقام. وتنبغي الاشارة كذلك في هذا السياق الى ان علاقة المغرب الخاصة بالولايات المتحدة والتزامها بعملية السلام في الشرق الاوسط يمتدان الى علاقة خاصة بالامريكيين العرب وبالجالية الامريكية اليهودية, حيث شكلت لقاءات العاهل المغربي مع هاتين الجاليتين حدثا مهما اخر من احداث زيارته الرسمية للولايات المتحدة. وقد سعى اليهود الاسرائيليون والامريكيون منذ وقت طويل لتعميق علاقاتهم مع المغرب, ويرجع ذلك في احد جوانبه الى الجالية اليهودية المغربية الكبيرة الموجودة في اسرائيل والى سجل المغرب في الانفتاح والتسامح. ومن ناحية اخرى فإن الامريكيين العرب لم يبدأوا الا مؤخرا, في تطوير علاقات وثيقة مع المغرب, ويرجع ذلك في احد جوانبه الى عدم وجود مكون امريكي مغربي في الجالية الامريكية العربية (حيث ارتحل معظم المهاجرين المغاربة الى اوروبا) كما ان الامريكيين العرب لديهم خبرة محدودة بالمغرب. وقد سعى وزير الخارجية المغربي الحالي محمد بن عيسى عندما كان سفيرا لبلاده لدى واشنطن الى التعاون بصورة نشطة مع الجالية الامريكية العربية ونجح من خلال التعاون مع الامريكيين العرب فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالمغرب في ايضاح الاهتمامات المغرية لهم في توسيع نطاق قاعدة التأييد للمغرب في الولايات المتحدة والوعي السياسي للامريكيين العرب. وهذا التطور دعمه كذلك السفير الامريكي الحالي لدى المغرب, ادوارد جابرييل, وهو عربي امريكي, حيث كان بدوره من الدعاة الناشطين لتوثيق العلاقات الامريكية المغربية ولعب دورا في تشجيع الامريكيين العرب على ان ينشطوا في اطار القضايا المغربية وتمثل دليل اخر على هذا التعمق من جانب العرب الامريكيين في القضايا المغربية والمشاركة منها في تشكيل لجنة الشئون الامريكية المغربية التي يتولى رئاستها سابا الشامي وهو ناشط امريكي عربي. وفي عام 1999 كسبت هذه اللجنة التأييد من جانب 110 اعضاء في الكونجرس لصالح المغرب, وعملت اللجنة بالتعاون مع المجلس الوطني للعلاقات الامريكية العربية فرعت الزيارات التي قام بها للمغرب اعضاء في الكونجرس ومعلمون وشخصيات قيادية امريكية عربية. وتقوم القيادة المغربية في اطار جهد يستهدف مواصلة دورها كمشيدة للجسور بتمحيص فكرة استضافة اجتماع مشترك لقادة الجاليتين الامريكية العربية والامريكية اليهودية للبدء في حوار بينهما. وعندما نتطلع الى العديد من جوانب هذه الزيارة الرسمية, فلابد لنا من ان نطرح بعض الملاحظات فالحرارة والاشادة اللتين حبت بهما الولايات المتحدة المغرب لا تقومان على اساس التاريخ وحده, وانما علي اساس حقائق اليوم الواقعية كذلك, وهناك تقدير حقيقي من جانب امريكا للمغرب وللدور الذي تقوم به في الشرق الاوسط ولعاهلها واهدافه المتعلقة بالاصلاح. غير ان مايتعين ان يحدث الآن هو انه لابد من ترجمة دفء الترحيب واتساع نطاق هذه الزيارة الرسمية الى تأييد محدد وملموس, وقد اشار الرئيس الامريكي الى انشاء برنامج جديد للمنح الدراسية والى توسيع نطاق الفرص التعليمية للطلاب المغاربة وتحدث وزيرا الخارجية والدفاع الامريكيين عن برامج جديدة للدعم تبدأ من المساعدة الغذائية الموسعة الى العلاقات العسكرية الاكثر توثقا. ولكن كما لاحظ الملك محمد السادس فإ المغرب تحتاج الى شراكة استثمارية اكثر مما تحتاج الى المساعدة وبالنسبة للمغرب فإنها لكي تستمر في تقدمها على الدرب الذي اختارته فإنها ستحتاج الى مساعدة اصدقائها وكما اشار رجل اعمال مغربي بارز فإن المستوى الحالي للتجارة والاستثمار بين البلدين (لا يرتفع الى مستوى علاقاتنا السياسية الثنائية القوية) وفي هذا الصدد فإن هذه الزيارة الرسمية الاخيرة يمكن ان تكون خطوة مهمة في دعم هذه الصداقات وفي تطوير جدول اعمال للمستقبل.