لا يمكن الحديث عن مستقبل العلاقات الفلسطينية السورية دون العودة إلى ماضي هذه العلاقات, وما شابه من توترات ساخنة أحيانا, ودفينة أحيانا أخرى. وهي توترات رافقت القيادتين الفلسطينية والسورية منذ نشأتهما تقريبا وبداية تعاملهما واحتكاكهما ببعضهما, أواسط الستينيات. كانت القيادة السورية البعثية الوليدة قد رأت في حركة فتح, بما طرحته من شعارات ثورية, تعبيرا عما كانت تفكر هي فيه, وما تبناه المؤتمر القومي السادس للحزب (أكتوبر 63) من اعتماد استراتيجية الحرب الشعبية كطريق لتحرير فلسطين, فتبنت فتح, ووفرت لها كل أسباب الدعم من تدريب وسلاح وقواعد. وقدمتها للرأي العام العربي عبر وسائل اعلامها المقروءة والمسموعة والمرئية. ويمكن اضافة سببين آخرين ساهما في قوة هذا التبني. أولهما نظرة القيادة السورية المتحفظة تجاه منظمة التحرير, على اعتبار انها منظمة تقليدية غير ثورية وموالية للقيادة المصرية الناصرية. وثانيهما أن الود كان مفقودا بين قيادة فتح والقيادة المصرية. وهو ما ينسجم مع موقف القيادة السورية من قيادة عبدالناصر حيث كان الود مفقودا بينهما أيضا. لكن أيام الرضا الأولى تلك لم تمر دون منغصات حيث اعتقلت السلطات السورية لفترة وجيزة قيادة فتح وعلى رأسها أبو عمار في أواسط عام 66, على خلفية اتهامها بالاشتراك في اغتيال ضابط فلسطيني بعثي كان مفرزا من الجيش السوري للعمل مع فتح. وإذا كانت هذه الحادثة لم تؤثر كثيرا في مسار العلاقة الذي ظل ايجابيا بين الطرفين, بل تعزز أكثر إثر هزيمة الخامس من يونيو عام 1967, إلا انها كشفت لأول مرة وجود جناح داخل القيادة العسكرية السورية لا يكن ودا لقيادة فتح, ولا يثق فيها. وقد برز موقف هذا الجناح في أحداث سبتمبر في الأردن عام 1970 حين عارض دخول الجيش السوري إلى الأردن, ولم يلبث هذا الجناح ان اتخذ من الضغوطات الأمريكية والتهديدات الاسرائيلية ضد سوريا بسبب تدخلها في الأردن فرصة لإدانة القيادة السورية والانقلاب عليها وتولي السلطة في نوفمبر 1970. ويمكن اعتبار هذا التاريخ نقطة فاصلة في تاريخ العلاقات الفلسطينية السورية. حيث أشر بوضوح على تغير موقف القيادة السورية الجديدة تجاه الثورة الفلسطينية. مما دفع بهذه الأخيرة أن تنتقل بثقلها من الأردن - بعد أن تعذر بقاؤها فيه - إلى الساحة اللبنانية, متخطية الساحة السورية حيث حرية تحركها ستكون مقيدة. وجاءت حرب أكتوبر 73 لتخلق متغيرات وتطورات في موقف الطرفين تمحورت حول حجم دور كل منهما في المنطقة, وأسست لمرحلة جديدة من الصراع المكشوف بين القيادتين. فقد رفعت هذه الحرب من وتيرة الخطاب القومي للقيادة السورية التي لم تجد أفضل من القضية الفلسطينية عنوانا يعطي خطابها القومي المضمون الذي افتقده, ومصداقيته التي اهتزت, بعد أن تراجعت قضية الوحدة العربية في هذا الخطاب إثر الصراع على السلطة الذي دار داخل الحزب نفسه, والذي تمثل في انقلاب القيادة القطرية السورية على قيادة الحزب القومية في فبراير 66, ثم في (الحركة التصحيحية) التي قادها الرئيس الأسد وتولى بموجبها السلطة العليا في الحزب والدولة في نوفمبر 1970, والفشل في تحقيق أي شكل من أشكال الوحدة الحزبية أو السياسية مع العراق الذي يحكمه الحزب أيضا. كما أنعشت حرب أكتوبر طموح القيادة السورية للعب دور اقليمي ربما كان يفوق قدرات سوريا وامكانياتها. وهذا الدور من الصعب تحقيقه على حساب جارته الشمالية الكبرى تركيا, أو جارته الشرقية الكبيرة أيضا بقدراتها - العراق -. فلم يبق غير الطموح في تحقيقه من خلال سوريا الكبرى على حساب أطرافها الثلاثة الأخرى. وإذا استثنينا الأردن الذي يشكل منطقة يحظر اقليميا ودوليا الاقتراب منها, فإن هذا الطموح حتم على القيادة السورية الاقتراب مرة أخرى من الحالة الفلسطينية والاحتكاك معها. ويمكن القول ان القيادة الفلسطينية, بشعار استقلالية القرار الفلسطيني الذي رفعته منذ أواسط السبعينيات تقريبا قد قلصت من الطموح السوري ووقفت عقبة في طريقه, مما جعل الصدام بين الطرفين محتما. وكانت الساحة اللبنانية ميدان الصدام الرئيسي الذي بدأ عام 76, وتداخل مع الحرب الأهلية اللبنانية. وكان الهدف من هذا الصدام ترويض الحالة الفلسطينية واحتوائها أولا. وثانيا منع الطرف الفلسطيني من عرقلة أهداف سوريا في لبنان. وهي الأهداف التي لم تتحقق إلا بعد الخروج الفلسطيني من لبنان إثر الغزو الاسرائيلي له في صيف عام 1982. وقد أغرى الضعف الذي أصاب منظمة التحرير, بعد ضربها في لبنان, القيادة السورية بأن تواصل مجددا عملية الاحتواء. فكان الانشقاق في فتح الذي جرى على أرض سوريا ومناطق نفوذها في البقاع, والذي انحازت إليه فصائل أخرى من فصائل المنظمة المتواجدة في سوريا. لكن هذه المحاولة لم يحالفها الحظ كثيرا بسبب رحيل المنظمة إلى تونس, ونجاة قيادتها من معركة طرابلس, ونجاحها في عقد دورة مجلسها الوطني السابعة عشرة في عمان عام 1984. وعدم التأييد العربي, - لا رسميا ولا شعبيا - للموقف السوري والعملية الانشقاقية. ثم جاءت حرب الخليج, وتباين الموقفين السوري والفلسطيني من هذه الحرب, حيث اصطف كل طرف في الخندق المقابل للآخر, لتزيد من شقة التباعد بينهما, حتى فاجأت القيادة الفلسطينية الأمة العربية باتفاقيات أوسلو التي رأت فيها القيادة السورية طعنة موجهة لها, ومحاولة لعزلها واضعاف موقفها في مواجهة اسرائيل. وهو الأمر الذي لم تغفره القيادة السورية أبدا, وظل يحكم موقفها من القيادة الفلسطينية حتى الآن. الآن, وبعد رحيل الرئيس حافظ الأسد, كيف نتصور مستقبل العلاقات الفلسطينية السورية؟ ذلك يتوقف على رغبتهما وقدرتهما على تجاوز ذلك الارث الثقيل من سلبيات الماضي, وعلى أولويات القيادة السورية الجديدة, ونظرتها لحدود دورها في المنطقة. من المرجح أن ينصب جهد القيادة السورية الجديدة على الوضع الداخلي, وتأمين الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني له. وهذا التوجه هو الذي سيحدد طبيعة توجهاتها العربية والاقليمية والدولية. ومنذ البداية يمكن القول ان هذه القيادة تأتي متحررة من مسئولية أي موروث سلبي في العلاقات السورية العربية. ومتحررة من العامل الشخصي الذي كثيرا ما يؤثر في هذه العلاقات خاصة في وطننا العربي. ومن ناحية أخرى, فإن غياب القيادة التاريخية التي أعطت سوريا دورا وحجما كبيرين, سيعيد الدور السوري إلى حجمه الطبيعي, وسيخفض من سقف طموحات القيادة السورية الجديدة, وينزل به إلى حدود ما تسمح به امكانياتها وتجربتها الوليدة. وإذا صح التوقع بأن اهتمام القيادة الجديدة سيكون داخليا بالدرجة الأولى, بالاضافة إلى استعادة الجولان كقضية رئيسية في السياسة السورية. فإن هذه القيادة بحاجة سريعة إلى ترميم علاقاتها العربية وفي مقدمتها العلاقات الفلسطينية حيث تنتفي الآن الحساسيات الشخصية, كما تنتفي الطموحات الاقليمية. وتلتقي الحاجتان السورية والفلسطينية لقدر من التنسيق بينهما في مواجهة التعنت الاسرائيلي الذي يواجه الطرفين, ومنع اسرائيل من وضع المسارين الفلسطيني والسوري في منافسة مع بعضهما البعض. وقد ترى القيادة السورية الجديدة في تقدم المفاوضات على المسار الفلسطيني ما يشجعها على التقدم في مسارهما, وحتى ما يغطي أية اتفاقات قد تتوصل إليهما مع اسرائيل. فهي في ظل وضعها الجديد قد تكون مضطرة إلى التوصل لمثل هذه الاتفاقات, دون التوقف عند العقبات التي عرقلت سير المسار السوري الاسرائيلي, ذلك انها ستكون أقل حساسية من القيادة التاريخية الراحلة التي ارتبطت سياسيا ومعنويا بالجولان. ولقطع الطريق على أية اشغالات قد تخلقها لها اسرائيل في لبنان, مباشرة أو بالواسطة, لتشتيت جهدها, فإن المتوقع أن تقوم القيادة السورية الجديدة بخطوات سريعة للاتفاق مع لبنان على تنظيم العلاقة بينهما, وحل مسألة الوجود السوري في لبنان بما يخدم مصلحة ومستقبل البلدين وعلاقاتهما, وهي خطوات ذات مساس بالوضع الفلسطيني في لبنان, مما يفترض التنسيق حولها بين الأطراف الثلاثة. إننا لا نتوقع تطابقا في الموقفين الرسميين السوري والفلسطيني تجاه مسألة الصراع أو المفاوضات مع اسرائيل, ولا نتصور أن يقترب الطرفان من بعضهما لدرجة توحيد الموقف, أو ربط المسارين بعضهما ببعض, ولكن المتوقع أن يتوفر حد معقول من التنسيق يسمح بالتشاور بينهما وعدم السماح لاسرائيل بالتلاعب بهما. * كاتب فلسطيني