تباطؤ على صعيد.. وعجلة على صعيد اخر.. والتصرف في كلا الحالين مدعاة للريبة. وهكذا اهتزت مصداقية كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة في الآونة الاخيرة. لقد تسلم عنان مذكرة احتجاجية رسمية من المندوب العراقي الدائم لدى الامم المتحدة تطلب فيها بغداد، ان يتحرك الامين العام بما يمليه عليه منصبه في اتجاه الاعتداء الجوي اليومي الذي ظلت تقوم به الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه العراق. فهو اجراء غير متضمن في حزمة القرارات العقابية التي اتخذها مجلس الامن الدولي ضد العراق في اعقاب حرب الخليج قبل عشر سنوات. بموجب هذه القرارات الدولية تولت الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي لشن الحرب ضد العراق والتي اطلق عليها عملية (عاصفة الصحراء) . ورغم ان القوات الدولية التي قادتها واشنطن لم تقاتل تحت علم الامم المتحدة الازرق ـ بمعنى ان قيادتها لم تكن دولية وانما كانت امريكية صرفة ـ فانه كان بوسع الولايات المتحدة, ولايزال بوسعها بان (عاصفة الصحراء) نفذت بالاستناد الى قرارات رسمية للشرعية الدولية.. صادرة عن مجلس الامن الدولي. غير ان العملية اللاحقة التي جاءت بعد سبع سنوات باسم (ثعلب الصحراء) كانت شيئا مختلفا. فقد كانت من حيث اتخاذ القرار وتنفيذه عملا امريكيا صرفا لا علاقة له البتة بهيئة الامم المتحدة. ثم جاء بعد ذلك ما هو أقبح من (ثعلب الصحراء) . فعلى مدى سنتين تقريبا ظلت اسراب الطائرات الحربية الامريكية تخترق الاجواء العراقية وتقصف ما يتراءى لواشنطن من أهداف عسكرية ومدنية. فلماذا لم يتحرك الامين العام للامم المتحدة بعد ان تلقى شكوى رسمية من الحكومة العراقية بشأن هذا الاعتداء الصريح المكشوف؟ الاجواء التي تتحرك فيها الطائرات الامريكية ومعها الطائرات البريطانية يطلق عليها.. منطقة الحظر الجوي.. وهذا تدبير احادي امريكي خارج اطار الشرعية الدولية تماما.. مما دعا دولة غربية ثالثة, وهي فرنسا, تنأى بنفسها منه. ان تباطؤ كوفي عنان ازاء العراق لصالح الولايات المتحدة يعادله على صعيد اخر تعجله ازاء لبنان لصالح اسرائيل. فما كادت اسرائيل تعلن انها (أكملت) انسحابها من اراضي الجنوب اللبناني حتى كان عنان جاهزا وعلى أهبة الاستعداد ليعطي الدولة اليهودية صك براءة. في عجلة مريبة تم تكوين فريق من قوة الطوارئ الدولية في جنوب لبنان بقيادة تيرى رود لارسن للتحقق من الانسحاب بما يمكن الامين العام من الاعلان رسميا بأن الوجود الاسرائيلي انتقل بكامله الى الطرف الاخر من الخط الحدودي الدولي بين لبنان واسرائيل. في بحر ايام معدودة كان عنان يعرض تقريرا رسميا بهذا المعنى على اجتماع رسمي لمجلس الامن الدولي. وبناء على تقرير الامين العام صدر عن مجلس الامن قرار باعطاء اسرائيل صك البراءة بانها نفذت بالكامل ما هو مطلوب منها بموجب قرار الامم المتحدة رقم 425 بينما كانت الحكومة اللبنانية تطلب من عنان وفريقه الدولي التريث. كان عنان يعلم علم اليقين ان لبنان له اعتراضات موضوعية مسببة على اساس ان اسرائيل ارتكبت 13 خرقا للحدود الدولية. ومع ذلك تحرك صوب مجلس الامن الدولي بأقصى سرعة متجاهلا الصوت اللبناني. هذا التصرف مريب. ومما يضاعف من ريبته ان الامين العام للامم المتحدة يتجاهل شكوى من دولتين عربيتين ازاء امريكا واسرائيل.. مرة بالتباطؤ وأخرى بالتعجل وهما تباطؤ وتعجل يتلاءمان تماما مع النوايا الشريرة لكل من الولايات المتحدة وحليفتها الدولة اليهودية تجاه الحقوق العربية. ولا نريد ان نذهب الى مدى ابعد فنقول ان امريكا واسرائيل اشتريتا ذمة الامين العام للامم المتحدة. لكن هناك امرين لاشك فيهما اطلاقا: اولا: ان اي امين عام للامم المتحدة يخضع عادة لضغوط مكثفة ومتصلة من الولايات المتحدة لدولة عظمى. ثانيا: ان مما يمكن ان يضعف مقاومة كوفي عنان لضغوط الدولة العظمى بشأن العراق ولبنان ان الاسرة الكبيرة الممتدة لهاتين الدولتين المسماة بمجموعة الدول العربية تفضل في بعض الاحيان السكوت وفي اغلبها مساندة الموقف الامريكي.