تابعت جنازة الرئيس (عبدالناصر) على شاشة جهاز تلفزيوني صغير, وضعته ادارة معتقل طرة السياسي في باحة كانت تفصل بين العنبر الذي نقيم فيه, وبين مرافقه, ازدحمت عن اخرها بالمعتقلين, وكانت الكتلة الكبرى من نزلاء المعتقل تضم آلافا من الاخوان المسلمين, لم يتابع الجنازة منهم, إلا الاكبر سنا والانضج عواطفا, والاعمق فهما للسياسة, وتجنب الاكثر تشددا وعداء للزعيم الراحل, مشاهدة موكب الوداع, حتى لا تصدر عن احدهم بادرة شماتة, تثقل ضميرهم الديني الذي لا يجيز الشماتة في الموت. اما الاقلية التي كنت احدها فكانت تضم شراذم من الشيوعيين والناصرييين ومتهمين بالتجسس لحساب المخابرات الامريكية ولاسرائيل ويهودا مصريين متهمين بالتعاطف مع الصهيونية لم يتخلف منهم احد. تنقلت عيناي بين شاشة التلفزيون امامي وشاشة الوجوه من حولي محاولا ان انفذ الى ما داخلها لكن الكتلة العظمى منها كانت جامدة لا تنبىء بشيء حتى وجوهنا نحن الشرذمة التي كانت اكثر قربا وتعاطفا مع عهد عبدالناصر, لم تجد بعد ثلاثة ايام فصلت بين اعلان خبر الوفاة وتشييع الجنازة من الدموع بدا وفيما عدا لحظات مشاركة وجدانية عابرة مع لقطة مكبرة, لرجل يبكي او امرأة تنوح كانت تستدعي غلالة من الدمع تغشى بصري, فقد كانت افكاري وعواطفي تتدافع بلا نظام ومن دون سياق, او بمعنى ادق في سياق لا معقول يجمع بين مشاهد متناثرة من الجنازات التي سرت فيها ومن جنازتي انا نفسي وتمنيت لو كان باستطاعتي بعد عمر طويل ان اقوم يومها من نعشي لاشكر المعزين الذين جاءوا يودعونني فاصافح كلا منهم قائلا: سعيكم مشكور, ثم اعود الى النعش فأقف فيه واقول لهم: باي.. باي.. قبل ان اغادر هذه الدنيا اللذيذة, واتركها لهؤلاء المشيعين الاوغاد. لكن خواطري اللامعقولة, كانت تدور وتلف وتعود لتتوقف امام سؤالين لبثا ان طردا ما تبقى منها: ما هي طبيعة النظام السياسي الذي جمع كل هؤلاء الجالسين حولي ليكونوا بمثابة وفد المعتقلين في جنازة عبدالناصر؟.. من الوارد ان يعتقل نظام شيوعي الاخوان المسلمين وانصار الرأسمالية والمشتبه في تجسسهم لامريكا.. ومن المنطق ان يعتقل نظام رأسمالي الشيوعيين واليساريين, اما كيف يجمع نظام سياسي في معتقلاته بين الاخوان المسلمين والشيوعيين والصهاينة والمناضلين الفلسطينيين وجواسيس امريكا والوفديين والقوميين العرب, بل وحتى انصاره, فقد بدت لي معضلة سياسية تحتاج الى ضارب رمل او قارىء كف. وبعد تفكير طويل ومشتت قلت لنفسي: لعلها الوحدة الوطنية التي تتحدث عنها الصحف. ثم قمعت ابتسامة اوشكت ان تعلو شفتي خشية ان يظن احد ان بي شماتة.. ولم يكن في قلبي ذرة منها. بعد احد عشر عاما وفي جناح آخر من المعتقل ذاته سمعت خبر وفاة الرئيس السادات ومع ان العهد كان اكثر ديمقراطية الا ان المعتقل لم يكن فيه تلفزيون ولكنه كان ايضا يضم معتقلين ينتمون لكل ألوان الطيف السياسي, من (فؤاد سراج الدين باشا) و(عبدالفتاح حسن باشا) الى (محمد حسنين هيكل) و(محمد فائق) وفريد عبدالكريم) ومن (فتحي رضوان) و(حلمي مراد) , الى فؤاد مرسي) و(اسماعيل صبري عبدالله) , ومن (محمد عبدالقدوس) الى (ميلاد حنا) ومن (محمد عبدالسلام الزيات) الى (عبدالعظيم ابو العطا) , وكانا من اركان حكم السادات في بدايته ولم يكن الجواسيس غائبين, اذ كان معظم هؤلاء متهمين بالفعل بأنهم جواسيس يتآمرون لضرب الوحدة الوطنية, ولم اكن في حاجة الى قمع ابتسامتي ليس شماتة والعياذ بالله اذ كنت قد تأكدت فعلا ان هذه هي الوحدة الوطنية على الطريقة العربية والمصرية, ولم يكن يؤرقني في المرتين سوى ما بدا لي تناقضا بين اتهامنا نحن المعتقلين بالتآمر على الوحدة الوطنية في الوقت الذي نشكل فيه ما يمكن اعتباره وحدة وطنية, وهو ما لم اجد تعبيرا عنه سوى برفع شعار الوحدة الوطنية بتضرب في بعضها يارجالة! في هذه المرة كذلك لم اكن في حاجة لأن اكرر على نفسي, السؤال الذي طرحته عليها قبل احد عشر عاما في المناسبة ذاتها, فقد كنت واثقا هذه المرة, ان مصر بعد السادات لن تكون هي نفسها.. وهو ما لم اكن واثقا تماما منه وانا اسأل نفسي حول مصير مصر بعد (عبدالناصر) وبعد ايام من وفاة (السادات) تحلقنا حول راديو ترانسستور كان (محمد حسنين هيكل) قد جاء به واودع في المخزن ثم سمح لنا باستخدامه لكي نستمع الى الخطاب الذي سوف يلقيه الرئيس المرشح (حسني مبارك) امام مجلس الشعب ولم يتنبه احد الى دلالة سماح ادارة المعتقل لنا بالاستماع الى الراديو بعد اسابيع من المعاملة الخشنة عزلنا خلالها عن العالم تماما.. وزحف الوجوم الى وجوه معظم وجوه (وفد الوحدة الوطنية يا رجالة) حين قال (مبارك) انه سيسير على خط السادات, ولم يهتموا كثيرا حين ذكرتهم بأن (السادات) قال العبارة نفسها في خطاب ترشيحه خلفا لعبدالناصر, بل وبالغ في ذلك حتى انه انحنى لتمثال لسلفه كان موضوعا بالقرب من المنصة التي خطب منها, وبعد اقل من نصف عام كان يسير على خط (عبدالناصر) بأستيكة, وفي بادرة لم يسبق لها مثيل منذ اعتقالنا, لم تكد تمر ساعة حتى وجدنا جهاز تلفزيون فخما, يدخل باحة المعتقل فقلت لزملائي ضاحكا: استيكة العهد الجديد وصلت في هذه المرة وامام دليل مادي هو تلفزيوني استيكة مقاس 28 بوصة, صدقوني, واستمعوا للمرة الثانية الى خطاب الترشيح بلا وجوم وحين كرر (مبارك) قوله بأنه سيسير على خط السادات, قال اكثر من صوت: سعيكم مشكور يا ريس! بين الجنازتين وبعدهما تابعت جنازات عظمى على شاشات التلفزيون فاتتني جنازة (ام كلثوم) في فبراير 1975 اذ كنت حفاظا على الوحدة الوطنية والاستقرار ومركز مصر التفاوضي قد عدت الى جناح ثالث من المعتقل نفسه. وشاهدت جنازة (عبدالحليم حافظ) على شاشة تلفزيون في غرفة ضيقة اشبه بالزنزانة كنت قد لجأت اليها هربا من مطاردة الشرطة التي كانت تجد في اثري بتهمة التحريض على مظاهرات 18 و19 يناير 1977 وتهديد الوحدة الوطنية والاستقرار ونشر دعايات مثيرة تتهم نظام الحكم بأنه يسعى للصلح مع اسرائيل, كبرت كلمة تخرج من افواههم ان يقولون الا كذبا (هكذا قال وكيل النيابة في مرافعته ضدنا فيما بعد). امضيت سبع ساعات متصلة اتابع جنازة الملك حسين, ومثلها اتابع جنازة الملك الحسن الثاني, وفي اليوم الذي شيعت فيه جنازة الرئيس الاسد, فتحت التلفزيون لاشاهد بداية الجنازة وكان علي ان اغادر الى عملي وبعد عشر ساعات عدت لاتابع مشاهد ختام الجنازة في مدفن الاسرة بقرية (القرداحة) وكانت الهتافات تتراوح بين (لا إله الا الله حافظ حبيب الله) وبين (بالروح.. بالدم.. نفديك يا بشار) وفي معظم الاحيان كان التوازن بين الهتافين يختل لصالح الاخير. وعندما عثرت في قناة غير عربية على محلل سياسي, يتحدث بحماس ورباط عنق اسود عن ميزات اختيار (الدكتور بشار الاسد) لخلافة والده ويربط بينها وبين الدور غير ـ المنكور ـ الذي اداه الرئيس الراحل في كفالة الاستقرار لسوريا على نحو حولها الى قوة اقليمية يحسب حسابها مؤكدا ان هذا الاختيار هو السبيل الوحيد للحفاظ على هذا الاستقرار لأن الدكتور بشار, هو المؤهل اكثر من غيره للسير على خط والده, وجدت من واجبي ان احييه, فمددت يدي الى شاشة التلفزيون وصافحته قائلا: سعيكم مشكور يا محلل.. ولا ادري ما الذي جعلني اتذكر فجأة عمتي (رئيفة) وهي الآن عميدة عائلتنا. فمع انها لم تهتم يوما بالسياسة ولم تشغل نفسها يوما لا بالليبرالية ولا بالشمولية الا انها لعبت دائما دور القائد السياسي البارز في تاريخ الاسرة, حتى حين كان الجيل الاكبر منها سنا لا يزال يقود ويدير وهي التي ادخلت في تاريخ العائلة شعار بالروح بالدم ح نكمل المشوار.. حتى قبل ان يصوغه صائغ شعارات محترف ممن كانوا يعملون في منظمة الشباب الاشتراكي على عهد الرئيس عبدالناصر, ليشيع في انحاء العالم العربي منذ ذلك الحين ويتكرر في الفاضية والمليانة, مع ان احدا لم يكمل المشوار, الا اذا كان ما نحن فيه من خيبة, هو هدف هذا المشوار منذ البداية. ولم يكن قد مضى على وفاة جدتي سوى ساعات حتى كفكفت عمتي (رئيفة) دمعها على الام الراحلة ثم دخلت الى باحة الدار, وامرت الخدم بجمع ما كان يخص المرحومة, اوان نحاسية كانت لها قيمة كبرى في ذلك الزمان البعيد, وتأكدت من وجود طشوت الغسيل والعجين واواني الطبخ وظلت لعدة ساعات تتقصى عن مكان صينية نحاسية ضخمة حتى وجدتها لدى جارة اقترضتها من المرحومة, ثم وضعت ذلك كله في حجرة اغلقت عليها بابها حتى يحل اوان تقسيم التركة. وعندما مات ابي بعد ذلك التاريخ بربع قرن دخلت الى غرفته وقبلت جبينه ثم غطت الجثة وكفكفت دمعها وطلبت مفتاح الخزينة, وجمعت ما بها من اوراق ونقود وكمبيالات ووضعتها في حقيبة اغلقت عليها ثم اخذت تجري اتصالات لترتيب الجنازة ولابلاغ بقية افراد الاسرة ـ ونحن اولاد الميت ـ نجلس في وجوم وصمت عاجزين عن التصرف او حتى عن التفكير فيما يتوجب عمله, وبعد ذلك كله جلست تبكي وهي تقول: الله يرحمك يا سيد.. ثم نظرت الينا وقالت: عشان ما تختلفوش ع التركة.. انا ح اقسمها حسب الشرع. لا اتذكر الآن من الذي قال: كل شيء في الانسان يكبر مع الزمن الا الحزن فهو مع الزمن يصغر: اما المؤكد فهو اننا نحن العرب قد اضفنا الى قوانين تطور التاريخ قانونا جديدا خلاصته ان الحياة تتغير بالموت وان تجديد نظمنا السياسية بيد سيدنا عزرائيل, ولذلك لم احفل كثيرا بتلك المناظرة التي اشتعلت في اعقاب وفاة الرئيس الاسد, حول تحول الجمهوريات العربية الى ملكيات وراثية بعد ترشيح ابنه بشار الاسد لخلافته, ولم يعجبني اي رأي من الآراء التي قيلت تأييدا للأمر او تبريرا له من جانب, او تنديدا وتشهيرا به من الجانب الآخر. اما الذي اعجبني ـ دون غيره ـ فهو رأيي وهو ما يؤكد لك انني لا اقل ديمقراطية عن النظم التي تحكمنا والتي لا يعجبها الا رأيها لأن مشكلة الجمهوريات العربية, لا تكمن في شخص الذي تنتقل اليه الخلافة ولكنها تكمن اساسا في ان القاعدة قد استقرت على ان يختار السلف الصالح من رؤساء الجمهوريات خلفه ـ الصالح طبعا في حياته, ولا فارق في هذه الحالة بين ان يكون هذا الخلف زميلا من زملاء الكفاح او ابنا من ابناء الكفاح اذ ان فكرة التوريث في ذاتها وبصرف النظر عن شخصية الوارث تتناقض من حيث المبدأ مع الاساس الذي يقوم عليه النظام الجمهوري الذي افترض واضعوه انه سوف يتيح الفرصة لتداول دائم ومستمر للسلطة بحيث لا يشغل احد المنصب اكثر من فترتين متتاليتين تتراوحان بين ثماني سنوات في الجمهوريات الرئاسية, لأن الرئيس في هذا النوع من الجمهوريات يحوز سلطة واسعة, مما يتطلب ألا تظل هذه السلطة في يده اكثر من تلك المدة, حتى لو كان يجوز تأييد الناخبين ضمانا للتجديد, وتحولها من اساءة استغلاله للسلطة.. اما في الجمهوريات البرلمانية التي تنتقل فيها السلطة الى مجلس الوزراء فيمكن ان تمتد المدتان الى اثني عشر عاما لأن الرئيس لا يحوز سوى سلطات رمزية محدودة ومع ذلك فإنه تحوطا لئلا يسيء استخدام هذه السلطات المحدودة لا يجوز له ان يجدد اكثر من مرتين متتاليتين! ليست المشكلة اذن فيمن يخلف الرئيس الراحل ولكن المشكلة في نظم سياسية عربية اصبحت خارج الخدمة في كل انحاء الدنيا, وتحتاج الى تجديد نقوم به نحن او تقوم هي به تخفيفا للاعباء التي تلقيها على عاتق سيدنا عزرائيل.