ان يتقدم مسئول كبير بحجم وكيل وزارة أو وزير باستقالة مسببة فذلك أمر طبيعي ويحدث في كل مكان في العالم, وان يكون هذا المسئول من الشجاعة بحيث يصرح بأن الاستقالة أفضل من البقاء في مكان لا يستطيع الإنسان أن ينتج فيه أو يقدم شيئا للوطن فتلك شجاعة نهنئ الدكتور المهيري عليها, لكن ما جاء في أسباب الاستقالة أكثر من مجرد أسباب صحية أو عائلية أو عدم القدرة على خدمة الوطن على ما يبدو! وكما ان لوكيل الوزارة الحق في تقديم استقالته, ولرؤسائه الحق في قبولها أو رفضها بحسب الأسباب الواردة فيها, فإن مناقشة الأسباب التي احتوتها بضعة أسطر في الجرائد المحلية أصبحت حديث المجتمع, خاصة ونحن نعرف بأننا نعيش في مجتمعات أولى صفاتها عدم وضوح الحقائق, وبالتالي فغالبا ما تتوالد أخبار لا أساس لها من الصحة وعلى هذه الأخبار آراء خاطئة في أغلب الأحيان. إن لعبة الكراسي الموسيقية التي يلعبها الصغار في المدارس, حيث تدور مجموعة منهم حول عدد من الكراسي ينقص عن عدد الصغار بمقدار واحد, يجعل هؤلاء لصيقين بالكراسي وهم يدورون حولها أثناء عزف الموسيقى خشية أن تضيع عليهم فرصة المحافظة على البقاء في الكرسي الأخير ولذلك فهم يكسرون شروط اللعبة في أغلب الأحيان, عندما لا يدورون بعيدا عن الكراسي بل قريبا جدا منها.. حتى يتصارع اثنان على الكرسي الأخير! إن لعبة الكراسي الموسيقية هذه, لا ينساها الصغار حينما يكبرون خاصة أولئك الذين لعبوها مرارا في طفولتهم ولعبة الكراسي هذه سبب رئيسي في أغلب ان لم نقل في كل أزمات واختناقات العمل في مؤسساتنا العربية, وعندما يكرس اللاعبون كل جهدهم وذكائهم وقدراتهم لأجل المحافظة على الكرسي, تصبح لعبة الكراسي الموسيقية جحيما على اللاعبين, ووبالا على اللعبة والمتفرجين, والأمر كذلك داخل المؤسسات. لقد جاء الدكتور جمال المهيري ضمن تشكيلة جديدة إلى وزارة التربية والتعليم منذ ثلاث سنوات تقريبا, وقد تبنت الوزارة خلال هذه السنوات الأخيرة الكثير من المشروعات والخطط والرؤى التربوية وعاشت جدلا وصراعا اجتماعيا لم تشهده الوزارة طيلة سنواتها السابقة, لان فكرا جديدا يحمله الوزير ويريد تطبيقه بمساعدة طاقم جديد ودماء جديدة من الوكلاء المساعدين ومدراء الادارات, وكل هذه الخطط لم تر النور بعد كما نعلم.. وما زال الجدل مستمرا حولها. إن استقالة المهيري في هذا الوقت غير مطلوبة أبدا حتى وان كانت متوقعة خاصة وانه جاء بناء على ترشيح أو اختيار من وزير التربية حسب ما يقال, إذن فالمطلوب وقفة تعاون لأجل استمرار خطط التطوير.. هذا ما يراه الكثيرون في المجتمع وما تحتاجه التربية بالفعل. أما ان تتحول الوزارة إلى بيئة عمل غير ملائمة للعمل, ويصل الأمر إلى سحب الصلاحيات أو التعرض للضغوط, وأن يتم تصفية الأمر على الهواء مباشرة, فهذا ما لم نكن نتمناه أبدا, لكننا في النهاية نؤمن بأن الإنسان إذا كان متلبسا بالاخلاص لهذا الوطن فإن بيئة الأخطاء والتجاوزات المحيطة به والصراعات التقليدية على المناصب يجب ألا تدفعه للخروج, بل إن البقاء بروح المحارب أجدى إذا كان لديه ما يقدمه للوطن, لكن عندما (يزيد الماء على الطحين) كما تقول جداتنا فإن الخبز لا يمكنه أن يرى النور أبدا! وقد زاد الأمر على قدرة الوكيل على البقاء محاربا أكثر من ذلك على ما يبدو. فأصبح من حقه أن يقول وداعا للتربية, وان تجتهد التربية لوضع خطط جديدة من أجل اصلاح بيئة العمل في داخلها.