لم اندهش لرفض حركة قرنق مبادرة العفو القانوني العام الذي اصدره الرئيس السوداني عمر البشير نهاية الاسبوع الماصي. وليت شعري اي مبادرة لم يرفضها قرنق في مسلسل كل المساعي التي بذلت وتبذل لانهاء الحرب في الجنوب السوداني تمهيدا للتوصل الى تسوية سياسية لهذه القضية المخضرمة؟ عندما يعرض على جون قرنق حل مقترح على اساس وحدة البلاد فإنه يرفضه مطالبا بتقرير المصير.. وعندما يعرض عليه تقرير المصير يرفضه مطالبا بالوحدة. وعرضت عليه المبادرة المصرية الليبية فلم يقبلها ولم يرفضها لكنه صار يبحث عن ذرائع لرفضها ونسفها فاقترح الدمج او التنسيق بينها وبين مبادرة (ايجاد) وعندما وافقت اخيرا كل الاطراف الاخرى بما فيها طرفا المبادرة المشتركة, القاهرة وطرابلس, وفصائل داخل (التجمع) المعارض متعاطفة مع حركة قرنق عمد قرنق الى الايعاز الى ممثليه في (التجمع) بالتغيب عن الاجتماعات. الى متى يتواصل هذا المسلسل الممل؟ لقد طرأ طارىء في الاسبوع المنصرم من جهة غير متوقعة. للمرة الاولى يفاجىء العقيد القذافي العالم بانتقاده جون قرنق وحركته. ورغم ان القذافي انتقد ايضا الحكومة السودانية الا انه اعلن في صراحة كاملة ان قرنق لا يريد شيئا سوى استمرار الحرب. هذا في تقديري تحول خطير فليبيا القذافي تعتبر تاريخا صاحبة فضل على قرنق. فقد كانت اول دولة تؤيد حركة قرنق وتدعمها بالمال والسلاح عندما خرجت الحركة الى حيز الوجود عام 1983. بالطبع كان القذافي مدفوعا باجندة خاصة به لا علاقة لها بقضية جنوب السودان. فقد كان دعمه لهذه الحركة المتمردة المسلحة منطلقا من مخططه الاكبر لاسقاط نظام الرئيس نميري بالقوة, لكن الحقيقة التاريخية تبقي: ان القذافي هو اول رئيس دولة يعترف بالحركة ويتحمس لها. ومنذ ذلك الحين وحتى الاسبوع المنصرم ظل قرنق شاخصا في ذهن العقيد القذافي كبطل اسطوري من الثوار التحرريين الافارقة المعادين للامبريالية الامريكية ورغم ان عمالة جون قرنق للولايات المتحدة ومخططاتها في القارة الافريقية ظهرت بعد سنوات قلائل من انطلاق حركته حين سقطت عنها ورقة التوت الايديولوجية (اليسارية) الا ان العقيد القذافي اثر التريث فيما يبدو.. ربما لاسباب لا نعلمها. في كل الاحوال فإن اكتشاف القذافي يسبقه تطور اخر اجل شأنا فقد هب احد قادة النخبة المثقفة الجنوبية في الخارج فمن اشتهروا بتأييد متعصب لقرنق وحركته ليطرح سؤالا استنكاريا ماذا يريد قرنق؟ هذا الاستنكار نادر الحدوث تضمنته رسالة مفتوحة ومنشورة بعث بها بونا مالوال الى قرنق وهي رسالة بالغة الصراحة اتهم فيها مالوال زعيم (الحركة الشعبية) بأنه من (لوردات الحرب) وان اصراره على استمرار الحرب نابع من دوافع نفعية ذاتية.. وانه في سبيل ذلك غير مبال بأن الحرب حصدت حتى الآن ارواح مليوني جنوبي ويمضي مالوال متسائلا: ماذا يريد قرنق.. ولماذا يرفض اقتراح تقرير المصير لشعب جنوب السودان علما بأن تقرير المصير يتضمن كل الخيارات من الوحدة الكاملة الى الانفصال الكامل؟ ان المغزى العام لهذه الرسالة هو انها صادرة عن واحد من المثقفين الجنوبيين في العمل السياسي منذ عقد الستينيات.. فوق انه ينتمي الى (الدينكا) .. القبيلة نفسها التي ينتمي اليها قرنق. ايضا تعكس الرسالة ان هناك تذمرا متصاعدا بين صفوف الساسة الجنوبيين حتى من بين الذين عرفوا بتعصبهم للحركة الشعبية بعد ان اكتشفوا انهم سمحوا لانفسهم بأن ينساقوا وراء زعيم لا هم له سوى التربح الشخصي ماديا ومعنويا بإبقاء الحرب مشتعلة. ولننتبه لنرى كيف تتجمع نذر العاصفة الجنوبية المقبلة.. وكيف يواجهها قرنق.