كيف نحمي الصحافة والصحفيين من طغيان المجتمع, وجماعات وأصحاب النفوذ, والجماعات التي اعتادت مصادرة الرأي الآخر والوصاية على الآخرين من منطلقاتها الخاصة؟ وأيضا كيف يمكن أن نحمي المجتمع بكل طوائفه ورموزه وشرائحه من تعدي الصحافة واختراقاتها للخاص والشخصي والسري في حياة ومسلكيات الناس؟ هذه معادلة لابد من التفكير فيها بجدية وايجاد ولو محاولة حل لها قبل أن نقول بأننا نعيش انطلاقة صحفية جديدة. وبداية لابد من التفريق بين الرأي وسلطة القرار, وبين نقد الأداء الخاطئ والتجاوزات السلبية, ومحاربة انتهاكات القانون الأخلاقي العام والقانون المدني للدولة, وبين تجريح الأشخاص وتعريض سمعتهم للتشويه والتسميم, ذلك ان سلاح الصحافة مدفعية ثقيلة العيار لا يمكن الوقوف في وجهها بسهولة كما لا يعتبر من العدل اعطاء حق التصرف فيها لأي شخص فقط لأنه صحفي. وحين يتحدث الناس عن سلبيات واختراقات للقانون مطالبين الكاتب والصحفي بكشفها وايصالها للحكومة وأصحاب القرار فإنهم يعلمون انه حين يفعل, فإنما يقوم بواجب تمليه عليه أخلاقيات مهنته وضميره الانساني, لكنه في النهاية لا يملك قرار تغيير هذا الخطأ أو نقل ذلك المتجاوز من منصبه فهذه مهمة جهات أخرى. إذن فالصحافة في النهاية مرآة مجتمع تمتلك حق نشر الخبر وابداء الرأي فيما يدور دون أن تعطي لنفسها حق الاعتداء على الآخرين على طريقة (ديكتاتورية البروليتاريا) التي كانت سائدة في الاتحاد السوفييتي, فالحق لا يمكنه أن يتلبس وجه الباطل أو يكون أحد صفاته أبدا, وربما يتذكر القراء والعاملون في الصحافة تحديدا, انه في الفترة التي قتلت فيها الأميرة البريطانية ديانا في باريس مع صديقها المصري دودي الفايد, فقد أثيرت ضجة واسعة وهجوم كاسح على الصحافة التي اتهمت في ذلك الوقت بانتهاك حرمة حياتهما وتعريضهما للقتل. وبما ان بريطانيا كواحدة من الديمقراطيات ذات التقاليد العريقة فيما يتعلق بحماية حرية الصحافة, فقد كان من المستحيل التدخل في مجريات هذه الصحافة من أية جهة أو سلطة حتى سلطة الملكة نفسها, وعليه فقد أحالت بريطانيا ملف تجاوزات الصحافة إلى لجنة شكاوى الصحافة, وهي لجنة مستقلة غير حكومية درست الملف وأصدرت قائمة سلوكيات يسترشد بها الصحفيون في تعاملهم مع حقوق الإنسان بشكل عام. إذن في الدول التي تتكئ على ركيزة قوانين صلبة يكون تصرف كالذي حدث في بريطانيا واردا, أما حيث تعاني الدول من هشاشة القوانين وحداثة التجربة, فإن معادلة كالتي طرحناها في البداية تحتاج إلى قانون جديد ذي صبغة الزامية ومرجعيات قانونية محددة وواضحة, من هنا فإن قانونا جديدا للمطبوعات لابد من صدوره وقريبا جدا, في ظل هذه الضجة الاعلامية التي نعيشها والانفتاح الذي نشهده في مجال الرأي والخبر معا. إذن فالمعادلة بيد طرفين, تمسك وزارة الاعلام بأحدهما ويمسك الاخوة الصحفيون بالطرف الآخر, وهنا فالمسئولية واضحة وما على المجتمع سوى أن يعرف مسئولياته هو الآخر.