في الواجهة دبابات ومدرعات وجنود افارقة يتقاتلون داخل ادغال. وفي الخلفية المعتمة مستشارون عسكريون امريكيون ومناجم ماس ونحاس ويورانيوم. هذا ملخص مبسط لما يجري في القارة الافريقية شرقا وغربا. في الغرب يجري القتال بين قوات حكومة سيراليون وقوات حركة تمرد مسلح. اما في الشرق (والوسط) فان الوضع اكثر تعقيدا. هنا تتورط ست دول متجاورة في الخوض في شرح الخلفية الحقيقية للحرب. لقد كانت بداية هذه الملحمة الحربية معركة داخلية في الكونغو اشتعلت لاسباب عرقية: حركة تمرد قبلية مسلحة تريد اسقاط نظام الحاكم الدكتاتور موبوتوسيسيكو الذي كان ينتمي الى قومية عرقية منافسة. وسرعان ما دخلت الولايات المتحدة على الخط وهي تحمل اجندة مختلفة. فقد قررت دعم الحركة المتمردة لمساعدتها في بلوغ السلطة لكي تستغل قادة السلطة الجديدة بعد ذلك في الاستيلاء على صناعة المعادن لصالح رؤوس أموال امريكية. ولكي تخفي واشنطن تدخلها فانها وضعت دولتين افريقيتين اخريين في الواجهة للقيام بدور التحالف العسكري مع الحركة الكونغولية المتمردة.. وهما يوغندا ورواندا. لكن السيناريو اختل مساره على صعيد التطبيق العملي مما أدى الى اتساع نطاق القتال واطالة امده. اجل.. اطيح بنظام موبوتو.. وتولت حركة التمرد السلطة حيث صار زعيمها رولان كابيلا رئيسا للكونغو. لكن كابيلا حنث بعهده لواشنطن فأبقى على امتيازات وتراخيص صناعة المعادن في أيدي الشركات الاوروبية الناشطة هناك منذ ما قبل عهد الجنرال موبوتو. كان هذا ايذانا بتداعيات خطيرة. فقد استقطب رجال الاستخبارات الامريكية قسما من قوات كابيلا المتمردة في شرق البلاد لتشن حربا على النظام الكونغولي الجديد ومن ورائها القوات اليوغندية والرواندية. وعلى اساس خطة امريكية جديدة جرى استهداف مناجم الماس والنحاس في شرق الكونغو.. وتحديدا منطقة يطلق عليها كسنجاني. والصورة الراهنة التي تركز عليها وسائل الاعلام العالمية حاليا هي ان كسنجاني صارت البؤرة القتالية التي تتصارع فيها عدة قوى بهدف الاستيلاء على المناجم. فبالاضافة الى قوات الحكومة الكونغولية المدافعة وقوات المتمردين عليها والقوات اليوغندية والرواندية الداعمة انضمت الى القتال ثلاث دول اخرى من الجوار الافريقي: زمبابوي وانجولا وناميبيا. هذه الدول الثلاث تخشى ان يتحقق انتصار للقوات الكونغولية المتمردة ضد الحكومة المركزية فتبرز بذلك سابقة خطيرة قد تشجع حركات تمردية في تلك الدول الثلاث. انها حرب بشعة ليس فقط من حيث شراستها واتساع نطاقها بل ايضا من حيث ضخامة اعداد ضحاياها. فأعداد القتلى تقدر حتى الان بنحو 1.5 مليون. غير ان الابشع ان الحرب تشن نيابة عن اصحاب رؤوس اموال امريكيين عيونهم على مناجم الماس والنحاس وتعمل لصالحهم في مجال التخطيط والنصح الفني العسكري فرق امريكية من المستشارين العسكريين والاستخبارايين يتخذون قواعد لهم في كل من العاصمة اليوغندية كمبالا والعاصمة الرواندية كيغالي. ان المؤسف حقا ان دولا افريقية غنية بثروات طبيعية نادرة ونفيسة لا تستفيد من هذه الثروات. والاشد اسفا ان دولا افريقية اخرى تضع قوتها العسكرية تحت خدمة اصحاب مصلحة اجانب. وفي هذه الاثناء يسقط قتلى ويجري تشريد قبائل بأكملها فتنتشر مجاعات واوبئة.. وكلهم افارقة, وقد تكون القوى الكبرى الغربية هي سبب المأساة.. لكن انظمة افريقية عميلة كالنظامين اليوغندي والرواندي لا يمكن بحال من الاحوال ان يكونا خارج دائرة المسئولية.