الموتى على أبواب الجنة الأوروبية الموهومة أصبح من الصور اليومية التي تغطي الصفحات الأولى من الصحف وأول ما يطالعه المشاهد الأوروبي على شاشات التلفزيون بشكل شبه يومي, خاصة عندما تبدأ شعوب أوروبا في التطلع حولها للاستمتاع بالربيع الذي يأتي بعد شتاء قارص. لذلك لم يكن غريبا أن تعثر الشرطة البريطانية على هذا الكم الهائل من الجثث التي تتراكم داخل الشاحنة التي نقلتهم من القارة إلى الجزيرة البريطانية, التي كان البعض بل ليست هذه الصورة الوحيدة, فأسبانيا تعيش هذه المأساة منذ سنوات, وصور جثث الغرقى في مضيق جبل طارق أضيفت إليها هذا الأسبوع الشاحنات التي تنقل المهاجرين (غير الشرعيين) تماما على الصورة نفسها التي تعثرت فيها السلطات البريطانية, وربما لو تقاعست الشرطة الأسبانية لبضعة ساعات لوجدت كما من الجثث ملقى على قارعة الطريق. هذه المشاهد (المرعبة) التي تتناقلها وكالات الأنباء ليس المسئول فيها المهاجر الذي يجد نفسه ضحية نفسه وضحية الآخرين, بل الجميع مسئول عنها, من أول المهاجر الذي يلقي بنفسه في خضم أمواج متلاطمة بحثا عن لقمة العيش إلى الحكومات التي قضت على شعوبها بالفقر, إلى أوروبا التي تخشى موجات الهجرة وتعتبرها الخطر الأول الذي يهددها رغم علمها أنها مسئولة عن ذلك لأن الفقر الذي تعانيه تلك نتيجة للنهب المنظم الذي مارسته أوروبا لثروات تلك الشعوب. وإن كان البعض يرى أن هجرة العمالة نشأت منذ فجر التاريخ نتيجة للحاجة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية للإنسان, أو بسبب تغير حالات الطقس, كالجفاف الذي ينتقل من منطقة إلى أخرى, حيث كان الإنسان يرحل بحثا عن الطعام لنفسه, والكلأ لحيواناته التي استأنسها لاستخدامها في العمل أو الاستفادة من منتجاتها, أو خلف الجيوش الغازية التي كانت تحول مناطق غزوها إلى دول تابعة بتعميرها بمواطنيها حتى يمكن السيطرة عليها, أو نتيجة الحروب أيضا نظرا للحاجة إلى الأيدي العاملة لتعمير ما دمرته الحرب, كما حدث خلال الحربين العالميتين في أوروبا, حيث استوردت ألمانيا العمالة التركية في تعمير ما خلفته هزيمة النازي على أيدي الحلفاء. لكن التطور الاقتصادي غير المتوازن في ما بين مناطق مختلفة من العالم خلال النصف الثاني من هذا القرن, أدى إلى تحول مناطق إلى أكثر تطورا وتراكما للإنتاج, فيما تحولت مناطق أخرى إلى أقل إنتاجا, وبالتالي أصبحت في حاجة إلى سلع تلبي حاجات سكانها, منذ الستينيات وحتى الآن, استطاع 20 في المائة من دول العالم, أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية, احتكار ما بين 70 و83 في المائة من الإنتاج العالمي, فيما تحولت الدول الفقيرة التي تمثل 80 في المائة من مجموع سكان العالم إلى أكثر فقرا, ولم يعد إنتاجها يمثل سوى 3.2 في المائة من مجموع الإنتاج العالمي. في ظل هذا الاختلال في التطور العالمي تحول العديد من الدول ومنها أسبانيا خلال العقدين الأخيرين من بلاد تصدر الهجرة إلى الخارج, وبشكل خاص إلى أمريكا اللاتينية ودول أوروبا الغربية مثل ألمانيا وسويسرا وفرنسا ولوكسمبورج, لتصبح اليوم بلدا مستقبلا لتلك الهجرة من الخارج, حيث يوجد حاليا طبقا للإحصائيات شبه الرسمية ما يزيد على النصف مليون مهاجر. تشير إحصائيات جمعية العمال المغاربة في أسبانيا إلى أن عدد العمال الأجانب يبلغ حاليا حوالي 600 ألف عامل, إضافة إلى هذه الأرقام أعداد المهاجرين (بدون أوراق) , أو لا يملكون وثائق توفر لهم الحماية في مواجهة القوانين الوطنية, وهؤلاء يصل عددهم -طبقا لآراء غير رسمية مختلفة- إلى أكثر من ضعف هذا العدد الذي يملك حق الإقامة الشرعية. العمال الأجانب في أسبانيا يفضلون الإقامة في مناطق بعينها دون غيرها, الذين يمتلكون مهنا تقنية أو على قدر من المهارة الفنية والعلمية والثقافة أو العمل في الخدمات والفندقة يقيمون في مناطق مثل: مقاطعة العاصمة مدريد, وإقليم قطالونيا, وفالنسيا, أما الذين يفضلون العمل في مجالات المهن الزراعية يقيمون في مقاطعتي مرسية وينتشرون في جنوب الأندلس. لو اعتمدنا تلك الأرقام الرسمية, التي تعتمدها وزارة العمل الأسبانية, فإن ما يصل إلى نصف عدد المهاجرين ينتمون إلى دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي, أي لا يواجهون أية مشاكل في تعاملهم مع المؤسسات الرسمية, سواء من حيث تصاريح العمل وبطاقات الإقامة, أو التأمينات الصحية والتعليم وغيرها من الخدمات التي توفرها القوانين المطبقة بشكل عام في كل دول الاتحاد. أما النصف الآخر من العمالة الأجنبية المقيمة رسميا في أسبانيا ينتمي إلى دول خارج نطاق الاتحاد الأوروبي, وهم مقسمون طبقا لإحصائيات وزارة العمل لعام 1996على النحو التالي: حوالي 70 ألف مغربي, و60 ألفا من أمريكا اللاتينية, و26 ألف آسيوي ما بين صيني وفلبيني, 20 ألف أفريقي من دول جنوب الصحراء الكبرى, أي ما يقرب من هذا العدد من الأسر بعد أن صدرت العديد من القوانين التي تتيح لأسر العاملين الأجانب الإقامة في البلاد. في ظل تلك الاحصائيات تظل أسبانيا أقل الدول الأوروبية استقبالا للهجرة الشرعية, حيث لا تصل نسبة المهاجرين الأجانب حيث لا تتعدى -حسب الإحصائيات الرسمية- تلك النسبة 7.1 في المائة من تعداد سكان اسبانيا البالغ عددهم 40 مليون نسمة, في حين تصل نسبة الأجانب في بعض دول الاتحاد الأوروبي أكثر من ذلك بكثير, مثلا تصل نسبة الأجانب بالقياس إلى عدد السكان في ألمانيا وبلجيكا والنمسا إلى 10 في المائة, وفي لوكسمبورج تصل إلى 30 في المئة. إلا أن القوانين المنظمة للعمالة الأجنبية في أسبانيا تعتبر معقدة نظرا لحداثتها نسبيا عن غيرها من القوانين المنظمة للعمالة الأجنبية في باقي دول الاتحاد الأوروبي, وأول هذه القوانين الأمر الصادر من وزارة العمل في 15 يناير العام ,1970 والمنشور في الجريدة الرسمية BOE بتاريخ 26 من الشهر نفسه, والذي يحاول أن يخفف من المشاكل التي كانت تواجهها العمالة القادمة من دول أمريكا اللاتينية بالتحديد, التي كانت حتى ذلك الوقت تكاد تكون مع المهاجرين من الفلبين العمالة الأجنبية الرئيسية في اسبانيا, وبموجب هذا الأمر تم إعفاء هؤلاء العمال المهاجرين من تصاريح العمل, بمساواتهم بالمواطنين من أبناء الدولة. مع مرور الزمن بدأت أسبانيا تلعب دور الدولة (الترانزيت) بالنسبة للعمالة الأجنبية المتجهة إلى أوروبا, أو الدول التي كانت تشكل مجموع دول السوق الأوروبية المشتركة قبل انضمام أسبانيا إليها عام 1985, نظرا لسهولة الحصول على تأشيرة الدخول الأسبانية في ذلك الوقت باعتبارها جزءا من النشاط السياحي للبلاد, سرعان ما يحاول المهاجر الخروج منها باتجاه دول أوروبية أخرى, سواء بشكل شرعي أو بشكل غير شرعي عبر الحدود البرية التي كان من الصعب السيطرة عليها. لكن بانضمام اسبانيا إلى اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة كان عليها أن تعدل من قوانين منح تأشيرة الدخول إليها أو شروط الإقامة فيها, إضافة إلى تطبيق القوانين التي تتضمنها الاتفاقيات التي تتوصل إليها الدول الأعضاء في السوق المشتركة. إلا أن هذه القوانين يتم تطبيقها على الأجانب المقيمين بشكل شرعي, أو الذين تقدموا بطلبات للحصول على تصاريح بالعمل والإقامة حتى صدور تلك القوانين, مما جعل الذين يقيمون بدون أوراق رسمية, أو يدخلون البلاد من خلال الهجرة السرية, أو يبقون بعد انتهاء تأشيرات الدخول السياحية التي مكنتهم من دخول البلاد, عرضة للمساءلة القانونية. نظرا لصعوبة تنفيذ هذه القوانين من خلال أوامر الطرد البوليسية تقرر البدء فيما يمكن تسميته (العفو العام عن المهاجرين غير الشرعيين) من خلال فتح الباب أمام هؤلاء لتصحيح أوضاعهم في مهلة محددة مع نهاية عام ,1989 ولكن كانت هناك شروط صعبة حالت دون تصحيح أوضاع كل من تقدموا بطلباتهم خلال تلك المهلة. ثم بدأت الحكومة الاسبانية تطبق نظام (الحصة السنوية) من العمالة الأجنبية في بعض المهن التي لا يقبل عليها المواطنون الاسبان, أو المهن النادرة التي لا تتوفر فيها الأيدي العاملة المطلوبة: عمال البناء والعمال الزراعيين الموسميين وبعض الخدمات. إلا أن تلك (الحصص السنوية) لم تكن كافية لتصحيح أوضاع الغالبية العظمى من المقيمين غير الشرعيين, نظرا لازدياد معدل الهجرة غير الشرعية من مناطق المغرب العربي, أو الدول الأفريقية عبر مضيق جبل طارق فيما يسمى بهجرة (قوارب الموت) أو التي أطلق عليهم الإعلام الاسباني اسم (ذوو الظهور المبتلة) . مثال على ذلك أن (الحصة السنوية) للعام 1998 التي كانت مفتوحة أمام العمالة الأجنبية للحصول على تصاريح عمل قدرتها الحكومة بعدد لا يزيد على 27 ألف تصريح عمل, بينما كان عدد المتقدمين يزيد على 66 ألفا, وحصة هذا العام 1999 أعلنت الحكومة عن زيادتها إلى 30 ألف تصريح عمل, وتم الإعلان عن مهلة لمدة أسبوع للتقدم لها, لكن الإحصائيات التي تمتلكها النقابات العمالية وجمعيات المهاجرين الأجانب تؤكد أن ضعف هذا العدد من الأجانب تقدموا خلال اليومين الأولين فقط. إضافة إلى أن نظام الحصص التي تحددها الحكومة الاسبانية سنويا يضع الكثير من العقبات أمام تصحيح أوضاع المقيمين بلا أوراق, إلا أن هذا القانون يعيق عملية تصحيح الأوضاع لأنه يشترط أن يحصل العامل الأجنبي على تعاقد مسبق يجب أن يتم إرفاقه مع الأوراق المطلوبة, وهو أمر لا يمكن للكثيرين الحصول عليها, مما يفتح الباب أمام المافيات التي توفر تعاقدات عمل مزورة, أو غير صحيحة, وأيضا هناك مسألة التأشيرة الخاصة بالعمل. لذلك فإن مطالب المنظمات العمالية بمضاعفة هذه التصاريح, خاصة أن سوق العمل في حاجة إلى المزيد من هؤلاء العمال لتغطية العجز في تلك المهن التي لا تؤثر على العمالة الوطنية, لأن حاجة سوق العمل الأسباني للعمال الأجانب خلال العام الماضي زادت على 66 ألف فرصة عمل, ولم تسمح الحكومة سوى بثلث هذا العدد, مما يمكن أن يؤدي سنة بعد أخرى إلى وجود فارق ضخم ما بين عدد تصاريح العمل التي تسمح بها الحكومة والحاجة الفعلية لسوق العمل, وهذا الفارق يفتح الباب أمام ممارسات غير شريفة تفقد العمال الأجانب حقوقهم نظرا للتعاقد معهم بشكل غير شرعي, أو عبر وسطاء يسلبون هؤلاء العمال حقوقهم, إضافة إلى تهديدهم المستمر بإلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى بلادهم, وأيضا تصبح هذه القوانين سببا في تلك المشاهد المرعبة التي نفتح عيوننا عليها كل صباح ومساء في وسائل الإعلام. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا.