بعد اكثر من ثلاثة عقود على عمليات البنية الصناعية الاساسية, تسعى تركيا جاهدة الى انجاز مفاعل نووي في خليج اقويو (جنوب شرق تركيا بين مرسين وانتاليا) وهو من ضمن عشرة مفاعلات نووية تنوي تركيا بناءها بحلول العام 2000. وفي ضوء نجاح الهند وباكستان في انتاج الاسلحة النووية, وما يقال عن تطوير ايران لبرنامجها النووي واسلحتها ان تركيا حسمت قرارها لصالح انتاج السلاح النووي. مهما تكن الدوافع التركية من وراء بناء مفاعل نووي في اقويو, سواء اكانت لانتاج الطاقة كما تدعي المصادر التركية الرسمية ام لامتلاك السلاح النووي, فإنها تثير مخاطر لا متناهية على المنطقة وتعرضها لاخطار جسيمة, وقد وصفت منظمة (جرين بيس) التي تعمل منذ سنوات لمنع اقامة مفاعل اقويو النووي في دراسة لها اخطار تشغيل هذا المفاعل بالكارثية. * المخاطر تنبع المخاطر الاساسية من اقامة مفاعل اقويو النووي من ان موقع المفاعل يقع في منطقة زلزالية عالية الخطورة, وتشير الدراسات التحليلية المعنية بالنشاط الزلزالي في العالم ان منطقة اقامة المفاعل تعد من المناطق الزلزالية الخطرة في العالم, فموقعه لا يبعد سوى مسافة 15 كلم عن احد الصدوع الجيولوجية, ويدكر انه في عام 1998 خرب زلزال قوته 3.6 درجات على مقياس ريختر منطقة أجنة المجاورة لمنطقة المفاعل وادى الى مقتل اكثر من 140 شخصا, الامر الذي يعني ان الدراسات التي بني على اساسها المفاعل استخفت بالقوانين والحسابات الدقيقة لاختيار موقع المفاعل فهو ينطوي على مخاطر كبرى على المديين القريب والبعيد. ومن وجهة نظر بيئية فإن تشغيل هذا المفاعل ينطوي على مخاطر تتجاوز حدود تركيا لتمتد جنوبا الى كل من سوريا ولبنان والعراق وصولا الى دول الخليج العربي وكذلك منطقتي المتوسط وايجة, فالرياح التي ستنقل كتل الهواء التي تحمل اثارا ناجمة عن تسرب الاشعاعات النووية من منطقة المفاعل في حال تشغيله الى المناطق المذكورة تحمل معها اثارا سلبية لها مخاطر جمة على الزراعة والحيوان والتربة والانسان, وما يزيد من المخاطر في هذا الاتجاه هو ان تركيا بلد يفتقر الى الخبرة الفنية والادارية والتشغيلية المطلوبة لاقامة مفاعل نووي وتشغيله وفق المستويات والمواصفات العالمية. ومن المخاطر الاساسية ايضا, ان الخطوة التركية المنتظرة, اي مجرد الاعلان رسميا عن تشغيل المفاعل, سيفتح الطريق امام حصول تسابق في المنطقة على بناء مفاعلات كبيرة, فدول مثل ايران والعراق واليونان... لن تقف مكتوفة الايدي حيال تركيا نووية لها خلافات مع هذه الدول وغيرها. * تسويفات غير مقنعة الحجة التركية الرسمية المعلنة من وراء اقامة مفاعل نووي في اقويو هي الحصول على الطاقة اضافة الى الجوانب العلمية والطبية الا ان هذه الحجة غير مقنعة فحسب بيانات وزارة الطاقة التركية تبلغ كلفة انشاء هذا المفاعل اربعة مليارات دولار بهدف انتاج 1000 ميجاوات من الطاقة, اي تأمين ما يساوي 2 ـ 3 بالمئة من الطاقة من احتياجاتها المستقبلية وبقراءة بسيطة لهذه الارقام تبدو الامور غير منطقية فلا يمكن الاقتناع بأن مشروعا يكلف اربعة مليارات دولار هو محض مشروع للحصول على 2 ـ 3 بالمئة من الطاقة خاصة في بلد مثل تركيا لديه مصادر المياه للحصول على ما يفوق عشرات المرات هذه النسبة من الطاقة ووفق طرق فنية سلمية بيئيا وباعباء مالية اقل بكثير. وحقيقة المسألة تتجاوز. مسألة تأمين نسبة من الطاقة انما تتعلق بالتطلع الى القيام بدور اقليمي في منطقة استراتيجية حساسة يراد تشكيلها من جديد امنيا وسياسيا واقتصاديا. * معضلة التمويل مع الانتهاء من المرحلة الاعدادية لمفاعل اقويو تتنافس ثلاث شركات دولية كبرى على انجاز المرحلة النهائية للمفاعل, وهذه الشركات هي: شركة وستنجهاوس الامريكية (ايه, اي, سي, ال) الكندية وشركة (ان بي اي) الفرنسية ـ الالمانية وقد ارجأت تركيا سبع مرات قرارها النهائي حول اختيار الشركة التي ستنجز المفاعل, وعلى الدوام كان سبب التأجيل التمويل اذ ترفض الخزينة التركية اعطاء ضمان بتمويل المفاعل وتؤكد انه اذا ما اعطت الدولة ضمانات على القروض فإنها ستفسد الاتفاقية المبرمة مع صندوق النقد الدولي وبالتالي البرنامج الاقتصادي للحكومة في مجال مكافحة التضخم (وقعت تركيا اتفاقية مع صندوق النقد الدولي تنص على منح الصندوق لتركيا قروض بقيمة اربعة مليارات دولار في اطار برنامج اقتصادي صارم لمكافحة التضخم) فضلا عن هذا فإنها ستحد من الحصول على ديون خارجية جديدة بعد ان وصلت هذه الديون الى 111 مليارات دولار. ومع ان وجهة نظر الخزينة التركية تأتي للتعبير عن الظروف الاقتصادية التي تمر تركيا بها الا ان الجهات العليا تقول: ان مسألة اقامة مفاعل نووي في اقويو تخضع للاولويات السياسية وبالتالي ينبغي عدم اعطاء الاولويات للقرارات والاوضاع البيروقراطية على القرارات السياسية, والسؤال الذي يطرح نفسه في الاوساط التركية في هذا الخصوص, هو: هل ستوافق الجهات العليا في تركيا على تأجيل انجاز المشروع الى عام 2003 كما طلبته الخزينة او انها ستعطي الاولوية لانجاز المفاعل انطلاقا من اعتبارات سياسية؟ تقول مصادر تركية مطلعة ان الحكومة عازمة على حسم الامر لصالح البدء بانجاز المفاعل في نهاية العام الحالي ما دامت الحكومة حسمت قرارها لصالح بناء المفاعل فضلا عن انه يحظى بتأييد مجلس الامة (البرلمان). في الختام من المؤكد ان المفاعلات النووية لن تزيد الوضع في المنطقة الا توترا وخطرا, وهو الامر الذي يتطلب تحركا اقليميا ودوليا فاعلا وعاجلا لا لمنع بناء مفاعلات نووية جديدة في المنطقة فحسب, بل لنزع المفاعلات والاسلحة النووية منها, وفي المقدمة منها الاسلحة النووية الاسرائيلية ضمانا للأمن والسلام والتوجه الى التنمية والنمو والاستقرار التي هي حاجات للجميع دون استثناء. كاتب سوري