حكاية (وليمة حيدر) التي انفجرت في الشارع الطلابي المصري بعد مظاهرات طالبات الأزهر, وتبارى في اشعال نارها أكثر من طرف, وبدأت بمقال لكاتب تصفه الأوساط المصرية المثقفة بأنه كاتب متوسط المستوى هو د. محمد عباس الذي عزف على الأوتار الدينية بشكل أقرب للغوغائية, هذه الحكاية خفتت لكنها لم تنته بعد. وآخر فصول الحكاية الشهيرة هو قرار لجنة الأحزاب السياسية في مجلس الشورى المصري الذي قرر تعطيل صحيفة (الشعب) الناطقة باسم حزب العمل صاحبة السبق في الحملة الصحفية ضد قرار طبع الرواية في مصر اضافة لتجميد الحزب نفسه, وبالتأكيد فإن قادة الحزب سارعوا لتقديم دعوى طعن في مدى قانونية القرار أمام محكمة القضاء الإداري. وإذا كان الحزب أو الصحيفة قد فجرت قضية اعتبرت في حد ذاتها نوعا من القوامة على فكر الناس ودفع المجتمع بشكل غوغائي إلى اتخاذ مواقف غير مبنية على تثبت ومعرفة يقينية وإنما على ثقافة التوكيل, والاشاعة والتفويض بالغاء العقل الجمعي والتحدث باسمه مع ان هذا العقل الجمعي عقل متعلم يفترض فيه الاستنارة والبعد عن ثقافة القطيع, لكننا مع ذلك نقول إن تعطيل الصحيفة وتجميد الحزب, هو جريمة طعن لقلب الحريات العامة وفي وضح النهار, وخاصة حرية التعبير في المجتمع المصري الذي ناضل طويلا وطويلا جدا لترسيخ البناء المؤسساتي الرافض لثقافة الغاء الآخر بقوة السلطة. هذه نقطة, أما النقطة الثانية, فإن كل الأصوات المثقفة والأسماء ذات الرنين التي كتبت وظهرت في برامج تلفزيونية ومقابلات صحفية, لم نسمع لها صوتا بعد قرار تعطيل صحيفة (الشعب) , التي أثر قرار ايقافها في مجريات الحياة العادية للعاملين فيها, والذين لم يتسلموا مرتباتهم نظرا لتجميد حساباتها في البنك, ما أدى أيضا للاضرار بما يعادل 120 محررا وعاملا في الصحيفة. إذن هناك سلوك مشابه تماما فيه الكثير من اللامنطق واللاانسانية, وفيه وبشكل واضح ديكتاتورية كبيرة, تتمثل في معاقبة وسيلة اعلامية تجرأت على قول أو رأي لم ينل رضا قاعدة من المثقفين وبعض رموز الحكومة الذين رأوا في حملة جريدة (الشعب) ضد قرار وزير الثقافة بطبع الرواية في مصر جمودا في التفكير وخطرا على حرية الابداع ومصادرة لحق المبدع في التعبير بأدواته الأدبية المتاحة. وقد ثاروا وغضبوا وكتبوا وعبروا عن هذا الموقف بمنتهى الشجاعة والوضوح, والآن نسأل ألا يعتبر أمر اغلاق الصحيفة وتجميد أنشطة الحزب سلوكا يسير في الخط الموازي للحجر على حرية التعبير ومصادرة حق الأفراد في ممارسة حرية الرأي والقول بالأدوات المتاحة لديهم وهي هنا جريدة الشعب؟ لماذا لم تظهر نفس الأصوات لتدافع عن حق الصحيفة في البقاء؟ لماذا لم تعترض أصوات المثقفين على قرار لجنة الأحزاب بتجميد الحزب؟ لماذا لم يقولوا ان ذلك فاشيستية وعودة لعصر محاكم التفتيش؟ لماذا لم يعترض الروائي (حيدر حيدر) صاحب رواية (الوليمة) على هذا السلوك طالما هدفه النهائي حرية الابداع والتفكير؟ أم ان مقولة ازدواجية المثقف وتناقضه لا تحتاج إلى جهد لتظهر بوضوح هنا في هذه الاشكالية.