في الحلقة الاولى تناولنا نظرة اليهود الى غيرهم وكيفية التعامل معهم عبر ما جاء بكتابهم المقدس وعبر ما جاء في التلمود وكذلك تفسير ساستهم ومفكريهم لهذه النصوص. فهم جميعا متفقون على سياسة قتل خصومهم والتخلص منهم, وبالطبع يأتي العرب في مقدمة هؤلاء الخصوم، ومن ثم فلا سلام حقيقا يؤمن به اليهود. واليوم نواصل في هذه الحلقة رؤيتهم لكيفية تحقيق السيطرة على الغير من الامم والدول حتى من يرتدون منهم ثوب السلام مثل يوري افنيري الذي يقول: (ان الجيش الاسرائيلي يعبر عن العبقرية القومية, فهو مثل الكنيسة في اسبانيا والنظام الملكي في انجلترا, والرأسمالية والحرية في الولايات المتحدة الأمريكية) وهاهو تسالي ريشف زعيم حركة السلام الآن يصف بيان الأكاديميين في جامعة تل أبيب والداعي لقبول حل سلمي شامل في المنطقة اثناء حرب العراق ـ الكويت بأنه كمن يدير الخد الآخر للصفع. كما كان هناك اتجاه داخل اسرائيل يدعو للتوسع عبر السيطرة الاقتصادية والتكنولوجية وقد مثل هذا الاتجاه ناحوم جولد مان وحاييم نحرون وموسى شاريت, وشمعون بيريز, وقد عبر عن ذلك ناجوم جولد مان بوضوح عندما قال في (29 يوليو 1987 هعولام هزية): (ان تحقيق السلام مع العرب ونشوء تعاون اقتصادي سيهيئ فرصا لتطوير اقتصاد اسرائيل ويشكل انتقالا لمرحلة كبيرة بالنسبة الى اسرائيل من حيث تعزيز مركزها وقوتها وجعلها امبراطورية اقتصادية بدلا من دولة عسكرية, وان نقل التقنية والحضارة المعاصرة الى العرب مقابل انتقال رؤوس الاموال العربية الى اسرائيل وانشاء سوق شرق أوسطية سيحقق لاسرائيل سطوة اقتصادية في المنطقة تفيدها اكثر مما يفيدها توسع عسكري) . ما شيمون بيريز احد مؤسسي دولة اسرائيل ومهندس السلاح النووي فيها وصاحب مجزرة قانا فانه هو نفسه صاحب ومنظر الشرق اوسطية والدور الاسرائيلي المهيمن في اقتصادها. بعد هذا المسح لأقوال اجيال متعددة في المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري, من قبل الدولة, ومن بعد انشائها حتى الآن, يتكشف لنا قواسم مشتركة بين كل هؤلاء يأتي على رأسها الايمان بالعنف والتفوق وكراهية الاخر والايمان بما يسمى قداسة الشعب والدولة, والنظرة الدونية للغرباء أو الاغيار (حسب مفهومهم). بعد ذلك نجد انفسنا امام سؤال عن سبب هذه القواسم المشتركة داخل تلك التجمعات اليهودية ـ الصهيونية التي احتوتها الدولة؟ يرجع ذلك في اعتقادنا الى الثقافة السياسية السائدة في اوساط تلك التجمعات والتي تشكلت من مفردات وبيئات متعددة, ويأتي في القلب منها التوراة والصهيونية ومعاداة السامية. هذا بالاضافة الى الاستعمارية واستيطانية الفكرة والكيان والمشروع والدولة الذين كانا بمثابة حائط الصد أمام بروز التناقضات داخل هذا التجمع الصهيوني. لذا كان طبيعيا ان يكون السلام لديهم هو سلام الامن اولا, وسلام القوة, وسلام فرض الامر الواقع, وسلام المنتصر وسلام التفوق, وسلام الهيمنة, وسلام الاستيطان والترحيل القسري, وسلام دولة اليهود, وسلام السلاح النووي. وكان محقا دافيد جروسمان في مقابلة له مع النيوزويك عندما قال: (ان الاسرائيلي لا يملك عقلية صانع السلام انه يتحدث عن السلام ويكرر الكلمة لكنه لا يقدم شيئا لتحقيق السلام) . لذلك فمنذ ان بدأ الصراع العربي ـ الاسرائيلي, واسرائيل لا تفوتها مناسبة الا وتتحدث عن السلام, ورغبتها في العيش بسلام مع جيرانها العرب. فما هو مضمون السلام لدى اسرائيل؟ وما مدى مصداقية ذلك بالمقارنة مع الواقع المعيش يوميا في هذا الصراع الذي استمر قرابة القرن؟ بعد توقيع اتفاقيات الهدنة عام 1949, ظلت اسرائيل لسنوات عديدة, ترى ان اعتراف الدولة العربية بها ـ اي الاعتراف بحقها في الارض الفلسطينية التي اغتصبتها ورحلت شعبها بالقسر والعنف ـ يمثل المنطلق الحقيقي للسلام, في تلك المرحلة ايضا رفعت بعض القوى والحركات الصهيونية المنادية بالسلام, شعار الثنائية القومية مثل جماعة بريت شالوم ـ (حلف السلام) ـ جماعة ايحود (الاتحاد) ـ هاشومير هاتسعير (الحارس) ـ الحزب الشيوعي الاسرائيلي (ماكي) ـ موكيد ـ المجلس الاسرائيلي للسلام الاسرائيلي/ الفلسطيني ـ حركة السلام الآن). ورغم تعدد المنابع الفكرية وتباين الرؤى البرنامجية في أماكن مختلفة من الصراع من 1948 حتى الآن الا انه يلاحظ ـ رغم دعاوى السلام ـ انها شاركت جميعها في الاستيطان, وايدت الحرب, بل وساهم الكثير من قياداتها في الجماعات والمنظمات المسلحة التي عملت على فرض الامر الاحتلالي الاستيطاني وقامت بالطرد والترحيل القسري لأهل القرى الفلسطينية, كما يلاحظ ان معظم تلك القوى والجماعات تنازلت عن شعار ومطلب الثنائية القومية بعدما تأكدوا من انتصارهم في حرب 1967, ونجاحهم في السيطرة على مزيد من الارض الفلسطينية العربية, عندما رفعوا شعار حدود 1967, ونجاحهم في السيطرة على مزيد من الارض الفلسطينية العربية, عندما رفعوا شعار حدود 1967 وكان ذلك منطلقهم للسلام, بعد ذلك كانوا مع ادخال تعديلات امنية على حدود 1967 لصالح اسرائيل. وها هي جماعة ايحود (الاتحاد) التي تأسست على مبادئ الثنائية القومية, يعلن احد رموزها (جوداه ماجنس) نفيه لعدم صهيونية الجماعة قائلا: (لقد قيل ان هذا التنظيم معارض للصهيونية وهذا ليس صحيحا) , كما ايدت ايحود الهجرة اليهودية بشكل واسع الى فلسطين حتى ولو كانت هجرة غير شرعية واستمرت تلك الجماعة من عام 1942 حتى عام 1965 تدعو لنفس المبادئ تحت زعم السلام. اما منظمة الحارس (هاشومير هاتسعير) والتي يقوم برنامجها على الصهيونية والاشتراكية والكيبوتزية (فلسفة الكيبوتز) ورفعت شعار الثنائية القومية, فانها هي نفسها التي ارتكبت الفظائع في حرب 1948 ضد العرب الفلسطينيين, وهي التي ترى حقا مشروعا لليهود في فلسطين, وهي التي ناضلت من اجل هجرة مفتوحة الى فلسطين من يهود العالم, وهي التي شاركت في اقامة الكيبوتزات وكان على رأسها (كيبوتز ارتزي (الوطني) ). ولقد كانت حركة السلام الآن هي الاخرى نموذجا للقواسم المشتركة التي يقف على ارضها كل قادة الحركة الصهيونية والتجمع الصهيوني على ارض فلسطين حيث عرفت نفسها بأنها حركة صهيونية, ليست حركة مسالمة فهم مستعدون دائما للقتال دفاعا عن امن اسرائيل ورفاهيتها!! وهي نفسها التي أدانت رسالة المئة التي وجهها بعض من الضباط الاحتياط الى وزير الدفاع لكي يعلنوا فيها رفضهم الدفاع عن المستوطنات القائمة في الاراضي المحتلة لأنها مستوطنات غير مشروعة, لكن الحركة رأت انه لا ينبغي تحت اي ظرف من الظروف تحدي اوامر المؤسسة العسكرية! وهاهو ياكوف تالون احد ابرز نشطاء الحركة يرسل خطابا مفتوحا لبيجين يقول فيه (حقوق العرب مسألة لا تخصني.. لكن اهتمامي يرتكز على اسرائيل وأمنها) . ومن هنا كان التصور الاسرائيلي للسلام بمختلف قواها مؤسسا على قواسم مشتركة يأتي على رأسها في المرحلة الاولى من نشأتها اعتراف الدول العربية بها وان يرتبط بهذا الاعتراف انهاء حالة الحرب والالتزام بالعمل على خلق الظروف والترتيبات اللازمة لمنع نشوب حرب جديدة وذلك عبر الدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل من اجل حل المشكلات المرتبطة اللازمة لمنع نشوب حرب جديدة وذلك عبر الدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل من اجل حل المشكلات المرتبطة بالصراع العربي/ الاسرائيلي (مصر ـ سوريا ـ لبنان ـ الضفة وقطاع غزة) ولا يقتصر السلام بالمفهوم الاسرائيلي على مجرد الاعتراف القانوني بوجود اسرائيل في المنطقة العربية وانما لابد ان يصحبه تعاون اقليمي وتطبيع علاقات, ويبدأ ذلك بانهاء المقاطعة العربية لها وفتح الحدود عليها. وهكذا تحول مفهوم السلام في المرحلة الاولى من نشأة الكيان الصهيوني من طلب الاعتراف العربي بالدولة الاسرائيلية الى تثبيت الدور المتميز والمتفوق لاسرائيل في المنطقة وفرض التعاون والتطبيع عليها. وأخيرا هكذا يتكشف لنا ان مفهوم السلام والتسوية لدى الاسرائيليين يعكس موروثا توسعيا ومزاجا ايديولوجيا استيطانيا, وهاجسا أمنيا يميل لاستخدام القوة والعنف, كما انه يستمد مدلوله على المنطلقات الاساسية للعقيدة الصهيونية, ومن الثوابت الفاعلة في الثقافة السياسية للتجمع الصهيوني على ارض فلسطين. * باحث مصري