هل يستأنف بشار الاسد ما بدأه قبل رحيل والده من استهداف لشخصيات الطبقة الحاكمة التقليدية في سوريا بغرض خلق نقلة نوعية للبلاد تطلق من برنامج لمكافحة الفساد؟ ان اية محاولة للاجابة على هذا السؤال يجب ان تأخذ في الاعتبار، ان تحرك بشار على الصعيد السلطوي في ظل حكم والده الرئيس حافظ الاسد شيء يختلف عنه تماما تحركه بعد غياب الوالد. فالتحرك في الحالة الاولى كان مسنودا بالقوة الشخصية لرئيس مخضرم تدين له مؤسسات السلطة ورجالها بخضوع كامل. اما في غياب الرئيس القديم فان الرئيس الابن يركب مخاطرة اذا قرر مواصلة حملته ضد رجال تلك المؤسسات باسم مكافحة الفساد. فهذه الشخصيات النافذة سوف يكون لها رد فعل اذا شعرت بأنها مستهدفة, غير مبالية بعد رحيل حافظ الاسد. خلال السنوات القلائل الاخيرة لم يكن بشار الاسد جالسا متبطلا كما كان معتقدا على نطاق واسع خارج سوريا. كان نشطا من وراء الكواليس بتشجيع من الرئيس الكبير الذي كان حريصا على اعداده للسلطة المستقبلية. وفي صمت وبصورة غير مرئية تماما شرع بشار في تعيين شخصيات منتقاة في القوات المسلحة واجهزة الامن مع ابعاد اولئك الذين كان يرى انهم غير اكفاء بالمواصفات العصرية.. ومن هؤلاء مثلا اللواء حكمت الشهابي رئيس اركان القوات المسلحة. كذلك ابعد رئيس الاستخبارات العسكرية. ويبدو ان الفكرة هي استغلال وجود الرئيس حافظ على قيد الحياة للتخلص من الشخصيات النافذة القديمة التي يمكن ان تشكل تحديا خطيرا بحكم مراكزها القوية للرئيس الشاب الجديد في حال رحيل الوالد. من هنا كان برنامج (مكافحة الفساد) ليستخدم كمبرر شرعي لازاحة الطاقم القديم. والى ان رحل الرئيس حافظ الاسد كان بشار قد بطش بعدد من الوزراء والجنرالات واتخذ بشأنهم اجراءات صارمة مثل مصادرة ممتلكاتهم. ومن أبرز هؤلاء كان رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي الذي انتحر. لكن جاء طارئ الموت للرئيس الاب دون ان يتمكن بشار من استكمال برنامجه.. بالتالي بدأ عهد جديد سوف يواجه فيه الرئيس بشار تحديات السلطة وقد فقد ذلك السند وتلك الحماية اللذين كان يوفرهما وجود الرئيس الاكبر وسطوته الاسطورية. فهل يواصل الرئيس بشار حملته فيواجه احتمالات ردات فعل شرسة قد تكلفه منصب الرئاسة نفسه ام يتريث الى حين ان يرسخ قدميه في السلطة. ان هناك رجالا مخضرمين من العيار الثقيل مثل الفريق مصطفى طلاس وزير الدفاع لا يزالون في المستوى الاعلى للسلطة. ومثل هؤلاء الرجال وغيرهم في مؤسسات السلطة المختلفة سوف يقاومون اي نوع من التغيير سواء على الصعيد السياسي او الصعيد الاقتصادي, انطلاقا من غريزة المحافظة على مراكزهم ومصالحهم الذاتية. ولكي يثبت الرئيس الجديد جدارته في السلطة فان الناس يتوقعون منه تبني سياسات انفتاحية. غير ان اي نوع من الانفتاح سوف يتطلب بالضرورة تغييرا هيكليا في توجهات السلطة. فالانفتاح السياسي مثلا يتطلب خلق مناخ جديد تتقبل فيه السلطة وجودا لمنظمات معارضة مما قد يؤدي الى انطلاق حملة نقد مكشوف ضد الشخصيات التقليدية. والانفتاح الاقتصادي يتطلب تدابير مثل خصخصة مؤسسات الدولة في مجالات انتاجية وتجارية, الامر الذي سوف يواجه قطعا بمقاومة شرسة من طبقة كبار البيروقراطيين من مديري هذه المؤسسات وجهاتهم من الشخصيات السلطوية العليا. وهكذا سوف يجد الرئيس بشار نفسه عند مفترق طرق بعد ان تضمحل صورة الرئيس الاب الراحل من الذهن الجمعي الجماهيري. فاما ان يتبنى التغيير بشقيه السياسي والاقتصادي فيخاطر باغضاب الشرائح السلطوية ذات المصالح الراسخة لعقود زمنية.. واما ان يتهيب تجربة التغيير فيخاطر على المدى البعيد بتنامي موجة من التذمر الشعبي. اغلب الظن ان الرئيس الجديد سوف يتريث للتأمل في حساباته الحاضرة والمستقبلية قبل ان يعقد العزم على اتخاذ مسار ما.